vendredi 21 juin 2013

الله أكبر على قلّة الفهم

كثر الجدل حول مسودّة الدستور و جنودنا الأشاوس يقتفون في جبل الشعانبي آثار الغول. طال الحديث حول حرّية الضمير و الهويّة الضّائعة بين لحية السّلفي و نهدي أمينة. احتدّ النقاش حول تاريخ الانتخابات و رابطات حماية الثورة فقرر الرئيس التحرّك في الوقت الحاسم ليجمع جميع الأطراف المبتورة على طاولت الحوار خوفا من الدّمار معرّجا على رأي جهابذة السياسة الدّوليّة في تحليل الأزمة السّوريّة و تأثيرها على مجرى الاحتجاجات التركيّة و العلاقات الأمريكيّة الرّوسيّة...
مشهد مبتذل و قذر تطول فيه النقاشات البيزنطيّة ، يتزايد فيه الثوريّون المثقوبون دون أن يملك أحدهم الشجاعة و الرّجولة الكافية للخروج عن حدود الدائرة المفرغة للجدل العقيم التي رسمها النظام بدماء شهداء الوطن.
الأمر في غاية البساطة ، لا تغريكم التعريفات المعقّدة و النظريّات المفبركة ، الأمر جلي كنور الشمس لو لا عمى الألوان الذي أصابنا. سياسة التشتيت و الإلهاء ، سياسة الرعب و الإرهاب و الغباء ، سياسة التّهميش و التفقير ،قضيّة الشعب الأساسيّة التي تتلخّص في أهداف ثورته " كرامة ، حرّية ، عدالة إجتماعيّة " تم اغتيالها و اغتصاب ما تبقّى من أمل الشعب المضطهد . ماتت الثورة بعد صراع طويل ، قتلها العدو بيد ابنائها ، جهلهم صوّر لهم أنها ليلة للاحتفال تنجلي مع مرور الهجيع لكنها في الحقيقة عقليّة و مسار طويل ، سذاجتهم أوهمتهم أنها لمسة سحريّة تغسل الذّنوب و تنشر الأخوّة بين الفارس و التنين ، بين الذئب و الرّاعي الحزين ، سلّموها عن حسن نيّة هديّة لسماسرة الأرض المتخفّين في بذلة السياسيين و الحقوقيين. الاحتضار يطول لكنها قبل الرّحيل أقسمت بألف يمين أن تأكل أبناءها لا كرها أو انتقاما من صنيعهم بل حبا و شفقة من بذاءة المشهد الأخير ، حين تنصب المشانق في ساحات الحرّية و ينزل حد المقصلة ليعلن عن نهاية المسرحيّة. لقد أسدل الستار و تمخّضت المهزلة عن مأساة ، هذه هي سنّة التاريخ. فتحي الجلايلي وقف يوم الاثنين وحيدا في جلسة الاستئناف الأخيرة ، خذله المحامون و لم يحضر الحقوقيّون المزيّفون و الإعلام المحايد ، هذا طبيعي، شاب فقيرا يقطن في حي شعبي تعيس ، قضيّته لم تنل التغطية الإعلاميّة الكافية كي تصير حديث الرّأي العام و ملفا مغريا للمزايدة. صابر المرايحي يعاني أيضا ويلات المرض وحيدا بعد أن قضّى أكثر من سنة في سجون النظام القذرة ، تقرّحات جلده الملتهبة ، المخضّبة بالقيح و الدماء ليست سوى صورة لضمائرنا الميتة و المتعفّنة. جهاد مبروك الجريح الحاضر في كل التحرّكات الشعبيّة منذ الثورة ، في حالة فرار بعد أن حكم عليه بشهر سجن مع النفاذ بتهمة التهرّب من الخدمة العسكريّة و جميعنا يعرف ماذا يعني السجن في حالة جهاد ، إنها التصفية ، قد تبدو كلمة مرعبة لكنّها الحقيقة و هي سياسة ممنهجة فجرحى الثورة مسلم قصد الله ، خالد بن نجمة ، شكري الرياحي ، حلمي الخضراوي ، زياد قراوي ، يسري الزرلي و حاتم هلالي يدخلون منذ حوالي الأسبوعين في إضراب رغم حالتهم الصّحيّة المزرية جرّاء الإهمال المتعمد . لا يتوقّف المد الانتقامي عند هذا الحد ليعود التضييق على المدوّنين : قضية مدوني قصور الساف و المدون الآخر المسجون على خلفية تهمة التعدي على الذات الإلهية و المدون حكيم الغانمي و تهمته التعدّي على الذات العسكريّة ، كل الذوات مقدّسة في هذا الوطن إلا الذات البشريّة . لن ننسى ملفّات شباب الثورة في أجيم بجربة و قرقنة و منزل شاكر و غيرها مما خفي عن الأعين فهؤلاء الشباب المهمّشون لا تصلهم عدسات الفضائيّات إلا اذا وهبوا أنفسهم في سوق المزايدة أو افسحوا المجال للمتاجرة بآلامهم في برامج البكائيّات كل ليلة جمعة .
يبدو أن النهاية قد أزفت ، لكنها حتما بداية مرحلة جديدة من النضال لأن اليأس في عرف الثوريين خيانة ، نحن في حاجة إلى جيفارى جديد يعيد الأمل ، ثوري حقيقي يؤمن بقدرة الشعوب على التغيير ، يعرف معنى الألم ، يتحمّله بلذّة صوفي و يصمد بايمانه العميق أمام مشهد الدم النازف مرددا في سرّه كلمات الحلاج الخالدة عند صلبه "ركعتان فى العشق لا يصح وضوءهما إلا بالدم". ركعتان في عشق الله و الوطن لا تنتظران معجزة ، بل إرادة شعب ، عصر المعجزات ولا و انتهى ، من ينتظر قيام المسيح سيموت على أسوار رومى محترقا ، " فالمحررون لا وجود لهم الشعوب وحدها هي من تحرر نفسها ". و الثأر النائم في الصّدور الحاقدة كفيل بأن يوقظ المارد المدفون ، ذلك الثائر المنشود المتخفّي في وداعة كل قلب حي ، حين يقف أمام الدهر كتلميذ يعلّمه كيف يقرأ التاريخ وفق القواعد الصّحيحة و ينشد كلمات النّوّاب في ترنّم مأتمي " علمني الدفن أن أمسح الطين عن أصدقائي/ وعلمني الدفن أن يكون من الأنهر الأبدية مائي / وعلمني أن أعشق الرحم الأزلية للأرض/ وان تكون امرأتي حين تكفر كل النساء "
هكذا قال الشاعر و هكذا يعلّمنا الدهر أن الخلاص في السير على فانوس العدل و الاستمساك بالقبس الهزيل حتّى النهاية ، فمن يترك رسن خيله في يد السمسار يجنح به إلى وادي الهلاك حيث القفار و الجفاف، لن نبحر سوى على نهر الشعب الأزلي ، مجهد من طول العطاء لكّنه ابدي لا ينضب له نبع .

samedi 8 juin 2013

خطــــــــــــــر

منذ أسابيع و نحن نعيش على وقع التّهديدات الإرهابيّة ( أحداث الشّعانبي و مؤتمر أنصار الشريعة بالقروان... ) و الصّراعات الهامشيّة المتعلّقة بالهويّة ( الصّراع بين الوهابيين و الزواتنه ، أمينة فامن و رفيقاتها في واقعة باب بنات... ) و هذا ليس بالأمر الغريب فمن يعاين المشهد السياسي الوطني و الإقليمي لابد أن يلاحظ اللّمسة الحرفيّة للمخابرات الغربيّة و الرّائحة العفنة للبترول الخليجي ، و الهدف واضح و جلي ، تحويل وجهة المسار الثوري و تمهيد الطريق لحكّامنا الجدد للمرور من المرحلة المؤقتة إلى المرحلة المؤبدة . لكن تنفيذ هذه الخطّة سيتطلّب تمويه ، تغطية و تشتيت للوعي الشعبي لذلك يبدو الوقت مناسب لصعود بعبع الإرهاب إلى الواجهة و إثارة أزمة هويّة عملا بالوصيّة الهتلريّة القائلة أن السّيطرة على الشّعوب تمر عبر إرهابهم و إيهامهم أنهم معرّضون للخطر في كل لحظة . و لمزيد الفهم دعونا نبحث عن المستفيد أو المستفيدين من كل هذه الخزعبلات و لنبدأ بحركة النهضة التي تسعى في هذه المرحلة إلى تمرير مجموعة من المشاريع منها تطبيق سياسات التقشّف المجحفة المنصوص عليها في إطار صفقة قرض البنك الدولي ، تفعيل قانون التّعويضات الذي سيكون داعما ماديا و سياسيا كبيرا في الانتخابات القادمة كما استغلّت الفرصة لتتراجع عن التزاماتها التي تعهّدت بها خلال الحوار الوطني الذي قام تحت قبّة الإتحاد في ما يخص الدستور مع مواصلة التغلغل داخل مفاصل الدولة. المستفيد الثاني ، هو المؤسسة الأمنيّة و المافيا التي أعادت التمركز داخلها بعد القسمة الجديدة ، حيث أعاد لها التهديد الإرهابي و أحداث القيروان و حي التضامن نوع من الهيبة الاعتبارية و الشرعيّة الرمزيّة لقمع الحركات الاحتجاجية كما مهد لهم الطريق لتقديم مشروع قانون مخزي اقل ما يقال عنه أنّه جائر ، خانق للحرّيات و مؤسس دولة بوليسيّة قمعيّة اسوء من سابقتها ، يرفع عون الأمن إلى مصاف المقدّسات أو ربّما أعلى من المقدّسات . المستفيد الثالث و هم السلفيّون إذ تمكّنوا من العودة للعب دورهم المفضّل " الضّحية " و هذا سيجلب لهم المزيد من التعاطف الشعبي يضاف إلى رصيدهم المستقبلي الذي سيمكنهم من طرح أنفسهم كبديل إسلامي جديد في حال فشل النهضة كما سيفتح لهم هذا التعاطف الابواب لمزيد التغلغل داخل الأوساط الشّعبيّة و استغلال العقد العاطفيّة لشعوب تسير دائما ضد مصلحتها مظللة بحلم الهويّة الضّائعة و مجد الزمان الغابر . المستفيد الرّابع ، هي القوى اليساريّة الانتهازية التي قررت الإستكانة و الرّضا بالظهور الإعلامي الدّائم و فتات الكعكة المتبقّي على طاولة القسمة بما أنها لا تحظى بأي دعم خارجي و ليس لديها الجرأة على اقتحام الأوساط الشعبيّة و تكوين نواة ثوريّة تقدّميّة . أما الخاسر الأكبر و الوحيد هنا فهو الشعب التونسي ، هم الفقراء و المهشمون و شباب الثورة الذين يحاكمون كل يوم في مختلف الولايات ، فصابر المرايحي إبن الكبّاريّة رغم الإفراج المشروط مازال يواجه تهمة تصل عقوبتها إلى خمسة و عشرين سنة سجنا و هو رهينة عديد التجاذبات ، فتحي الجلايلي إبن المونفلوري يقضي حكما بعشر سنوات ، قيس صبّارة إبن السابعة عشر ربيعا اصيل ولاية قفصة ، تلميذ يواجه حكما يصل إلى خمس سنوات و غيرهم من ابناء أجيم في جربة و شباب منّوبة و قرقنة و لن ننسى طبعا جهاد مبروك إبن الشّابة و جريح الثورة الذي حكم عليه في بداية هذه السنة بأربعة أشهر سجن و خطيّة ماليّة في إطار قضيّة كيدية و هو اليوم يواجه حكم بشهر سجن بتعلّة التهرّب من أداء الواجب الوطني رغم ما هو معروف عن خطورة حالته الصحيّة و الإهمال الطّبي الذي يعانيه . كل هذا و أكثر يبيّن الطابع الممنهج للعماليات الإنتقاميّة التي تستهدف الشباب الثوري و خصوصا عندما نعلم أن معظم هذه الشّكايات تتقدم بها جهات أمنيّة أو أطراف محلّية محسوبة على النظام السّابق و تستهدف شباب الأحياء الشعبيّة ممن تتجاهلهم عدسات المحطّات الفضائيّة . في النّهاية على الشعب التونسي أن يعي أن من يقايض حرّيته بالأمن يخسر في آخر المطاف الاثنين ، كما أن هروب رأس النظام لا يعني سقوطه فعلى المسار الثوري أن يستمر حتى تحقيق أهدافه التي استشهد من أجلها أبناء هذه الأرض فلا مناص عن تحقيق أهداف الثورة : الكرامة ، الحرّية و العدالة الإجتماعيّة .

صفوان الطرابلسي
نشر بجريدة ضد السلطة
8 جوان 2013

lundi 27 mai 2013

الثورة العربيّة بين المد الظلامي و غياب النظريّة الثوريّة


يشهد المجتمع العربي أزمة هويّة و منهجيّة أنتجت اغترابا فكريا و حضاريا دام لقرون عديدة و يبدوا أنّه سيتواصل ليلتهم آمال الشعوب المضطهدة في الثّورات المعاصرة ، كما نلاحظ في الفترة الأخيرة تفاقم لهذا الانفصام في الشخصيّة العربيّة خصوصا مع انفتاح المشهد الإعلامي على مشايخ الوهابية و صعود الإسلام السياسي إلى سدّة الحكم في عديد الدول ذات الثقل الحضاري و الإستراتيجي كتونس و مصر و ليبيا بالإضافة إلى انعكاسات التجاذب الدولي الحاصل في ما يخص الأزمة السّوريّة .
صعود الإسلام السياسي و غزوة الفكر الوهابي
 لم يكن صعود الحركات الإسلاميّة إلى سدّة الحكم إثر الثورات العربيّة بالأمر المفاجئ ، كان من المتوقّع  تصدّرها للمشهد في الفترة الانتقالية ، و قد ساهمت عدّة عوامل منطقيّة في منحها هذه الفرصة أهمّها استبطان قياداتهم لخطاب دعائي على المقاس الدولي و هرولتهم لتقديم الضمانات و طمأنة الدول الكبرى على سير مصالحها الإستراتيجيّة داخل المنطقة بالإضافة إلى تمتعهم بالدعم الدبلوماسي و المادي المتأتّي من دول الخليج . هذا على الصّعيد الدولي أمّا على الصعيد الشعبي فقد تركت الأنظمة السّابقة جملة من العقد التي استثمرتها هذه الحركات في خضم صراعها الانتخابي و أبرزها التعاطف الشعبي الناتج عن القهر الذي تعرضت له قواعدها خلال فترة الدكتاتوريّات السّابقة و لعبها على وتر الهويّة و الدين من خلال ترويج الفكرة القائلة بأن الإسلام في خطر و أن هذه الشعوب الضالة في حاجة إلى " نبيّ جديد " يثبّت في كيانها الإيمان و يعيدها إلى رشدها بعد نشوز. من هنا فتح الباب لتسرّب الأفكار الرّجعيّة التي يهل بها سفراء الظلاميّة من شيوخ الوهابيّة ،لينتشر الفكر التكفيري المتعصّب ، القائم على نبذ العقل و هدفه ككل فكر رجعي إرهاب الشعوب و غرس عقليّة القطيع في ثقافة المجتمع  و هذا ما سكون سببا في تعميق الأزمة الفكريّة التي تعيشها الشعوب العربيّة كما تسبب و سيتسبب في خلق " ظواهر مدمّرة " ستفضي بهذه المجتمعات إلي دوّامة العنف الممنهج و تفتح الباب أمام تركيز دكتاتوريّة جديدة ذات بعد ديني ، قائمة على منهج محاكم التفتيش ، تقمع كل فكر مغاير و أي محاولة للتطوير و التجديد ، ولنا في التّاريخ شواهد عدّة ، فلا شك أننا نعلم كيف حوصر الطبري حتّى موته في محنته الشهيرة و كيف صلب الحلاّج و سجن إبن حيّان حتى وفاته أما إبن المقفّع فقد قطّعت أوصاله و أحرقت كتب إبن رشد أمام عينيه في احتفال عام و قد امتد هذا الفكر حتّى التاريخ المعاصر لنشهد اغتيال حسين مروة و فرج فودة و مصطفى العقّاد و إعدام هاشم آغاجاري بعد محاضرة أتهم فيها بإهانة النبي و أخيرا و ليس آخرا اغتيال المناضل اليساري شكري بالعيد . بالتّالي هل يعقل أن تنتج ثورة على نظام مستبد آخر أكثر استبدادا ، و من هو الملام في خضم هذا الواقع المزري ؟
لن نلوم الحركات الإسلاميّة إذ من الواضح أنّها تعتبر هذا التردّي الثقافي  جزءا من مشروعها ، لكننا نوجه الأنظار نحو النخبة و الطلائع الشعبيّة و الفكريّة و السياسيّة ، التي تخفي تحت رداء الحكمة و التوازن خوفا من المواجة الفعليّة و عجزا على بلورة بديل ثوري و المرور به من مرحلة التنظير إلي الفعل العملي .
الثورة العربيّة و غياب النظريّة الثوريّة :
الثورة هي التغيير المفاجئ السريع و العميق في الكيان الاجتماعي ، هدفه القطع مع الاحوال القائمة في المجتمع وذلك من خلال إعادة تنظيم وبناء هيكلة إجتماعيّة مبنيّة على منظومة قيميّة جديدة .  قد يختلف المفكّرون من النّاحية النظريّة في توصيف هذا المفهوم ، لنجد التعريف التقليدي الذي صيغ ابّان الثورة الفرنسيّة و المتمثل في تغيير نظام الحكم بالقوّة  إثر هبّة شعبيّة بقيادة الطلائع المثقّفة و قد طوّر الفكر الماركسي فيما بعد الفكرة من خلال تحديده للطلائع المثقّفة المتمثّلة في القيادة العمّاليّة للبروليتاريا و دورها التأطيري للفعل الثوري الجماهيري. اما التعريف المعاصر فيلخّص الثورة في التّغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته(  كالقوات المسلحة ، شخصيّات وطنيّة تاريخيّة ، نقابات ... ) لنظام الحكم العاجز عن تلبية طموحاته و المرور إلى تنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية . و نلاحظ هنا الرابط الجدلي بين إسقاط نظام الحكم و بلورة البديل الثوري الذي يمثّل غيابه احد الأسباب الرئيسيّة في تعثّر الثورة العربيّة . غياب المشروع الثوري  زاد في ضبابيّة الهدف المنشود و أسقط عن التحرّكات الشعبيّة طابعها الممنهج مما فتح الأبواب أمام القوى الرّجعيّة المدعومة من الإمبرياليّة الأمريكية للصعود إلى سدّة الحكم ، كما فتح المجال لركائز النظام السابقة حتى تتموقع من جديد داخل المشهد السّياسي و تعيد التمترس داخل مفاصل الدولة من خلال صفقات مشبوهة غير معلنة مع الحكّام الجدد مما عزل القوى التقدمّية داخل الإطار الضيّق للفعل الاحتجاجي العابر . ففي ضل غياب الدعم الخارجي ( ماليا و دبلوماسيا ) يبقى الحل الوحيد أمام القوى الثوريّة هو التضحية في سبيل إنتاج حركة ثوريّة حقيقيّة يتمخّض عنها بديل ثوري ، فمن البديهي أنه لا وجود لحركة ثوريّة بدون نظريّة ثوريّة و هو ما يضع الطلائع و النخبة المثقّفة أما امتحان صعب أو بالأحرى أمام نداء الواجب التّاريخي ، فمستقبل هذه الشعوب المضطهدة يعتمد على مدى وعيهم بحساسيّة المرحلة و مدى قدرتهم على بلورة مشروع فكري ثوري ينتج بديل سياسي قائم على مبادئ : الحرّية ، الكرامة و العدالة الإجتماعيّة .
                   
صفوان الطرابلسي 

jeudi 16 mai 2013

عــــام الجــــــوع

" إذا أردت السّيطرة على النّاس فخبّرهم أنّهم معرّضون للخطر ثم شكك في وطنيّة معارضيك " . ليس من الغريب أن تنسب هذه المقولة للزعيم النّازي " أدولف هتلر " و ليس من الغريب أيضا أن يتخذها حكّامنا السّابقون مرجعا لسياساتهم الدكتاتوريّة القمعيّة لكن من العار أن تتواصل هذه السياسة في وطن شهد ثورة من أجل الديمقراطيّة و العدالة الاجتماعيّة. قد يتغيّر وجه السلطة لكنّ سياسة الإرهاب الممنهج و التخوين تستمر لتنهك أحلام الشعوب المضطهدة . نحن اليوم رغم ثورتنا لم نخرج عن السرب أو عن الإطار الذي رسمه لنا النظام ، مازلنا نتحرّك داخل فلكه و نمتثل لخططه دون وعي ، مازال يلاعب غرائزنا و يوجّهنا كالدمى . فلنسأل أنفسنا ما الذي تغيّر ؟ لا شيء ، مازالت وصايا هتلر هي المرجع ، مازلنا نتلذذ بدور الضحيّة و نستقبل تجريحهم و تخوينهم و تكفيرهم برحابة صدر ، نعتبرها ختما يثبت رجولتنا و نضالنا ، لكنّهم لن يقفوا عند هذا ، هاهم يمرّون لتنفيذ باقي الوصّيّة لذلك فلتسكتوا و لتسيغوا السمع و الأبصار، لقد بدأ العرض يا رفاقي . انه الخراب، أعدّوا ما استطعتم من الأمل لترقصوا على بقايا الحطام و تجنّبوا إغراء الكلام ، إني أسمع أصواتا تناديني الى الغياب و لا طريق أمامي سوى اتباعها. لا ترهبنّكم قتامة الواقع و لا تسعدنّكم صور الأنباء المنمّقة ، فقط ابحثوا عن الحقيقة . لا تنسوا أن تشربوا نخبي إذا غادرتكم و أن تواسوا حبيبتي ، أرسلوا اليها باقة من الزّهور التي تحبّها و راقصوها في الأصيل كما عوّدتها ، اخلطوا دمعها بغبار رفاتي ، أضيفوا اليها قطرات من دمائكم ، قليلا من النبيذ الأحمر الرّخيص ، اسكبوها قطرة قطرة على ألسنة المقهورين كي تحرق ، أكتبوا بها وصيّتي على صدوركم و تعلموا أن ترقصوا في أرض المعركة ، اكتبوا شعركم على ايقاع الرصاص و موسيقاكم لحن البندقيّة و صيحات القصاص ، لا وجود لثورة سلميّة فالتاريخ نتاج للصراع ، تكتبه الأيادي الصّامدة بالدّماء . لذلك حين تريد قراءة التاريخ ، دع جانبا الكتب المدرسيّة و ما في عناوينها من خداع و أساطير بهلوانيّة . ركّز بين السطور و في الهوامش المهملة ، ستمسك طرف الخيط هناك و ستدرك أن الحاضر مجرّد بعد وهمي ، شهاب غير مرئي ، لا يأسس عليه شيء . غدا بداية يوم جديد و حياة جديدة ، ربما تكون أحسن أو اسوء قليلا ، أعدّوا ما استطعتم من أمل للمقاومة ، ربّما مازال على هذه الأرض فسحة من الحياة و ماهي الحياة ان لم تكن مقامة أزليّة للرداءة ، و بحثا لا ينتهي عن الحب بعد استنفاذ الحقد داخل الغوغاء ، لذلك ، احفظوا ما أمكن من أغنيات ، فهي زاد للمحارب و اكتبوا مذكّراتكم عن المعارك حتّى و لو كانت خاسرة .
تضيع الأيّام ، سطور نكتبها بأيدينا و لا نحسن قراءتها ، نخوض معركة عابرة ، نجتر أحلاما واهية و نتفرّغ بعد الهزيمة للبكاء ، نشتاق لرائحة الأرض و نمقت طعم المنفى و الجفاء ، نحزم حقائبنا للرّحيل و نظنّه المثوى الأخير ، لكن الطريق طويل و لم يعد في الوطن مكان يقبلني ، في وطني حيث للدمع نهر و للدم نهر و للنفط نهر و ليس فيه للحب نهر ، وطني حيث يموت الأصيل . وطني حيث مات الصبر صبرا ، حيث يبكي الحر قهرا ، حيث يعلو الجوع هرما ، حيث ركّزنا العمائم فوق رؤوس الحمير ، يبني الشعب صرحا للملوك ثم يبيت على الحصير ، وطني حيث للدمع نهر و للدّم نهر و للنفط نهر ، ترى هل لنا فيك قبر ؟ فأنا لا أهوى الرّكوع و العام عام جوع و قيصرنا العظيم يتربّص بجمجمتي ، يريد أن يصنع منها كأسا لنبيذه المقتّر من دماء الأبرياء و أنا لا أهوى الرّياء . وطني متى يكون للحب فيك نهر يغمر جسدي المصلوب على باب المعبد المزيّف ، متى يلقي سيزيف الصخرة عن كاهله و يكتشف أن الآلهة انتحرت تحت قدمي في لحظة يأس منسيّة ، متى يرفع رأسه للسمــــــــــاء ، لقد طال الإنحناء ، وطني ان التاريخ لا يرحم من يكتفي بالبكاء ، نكتب المراثي على شرف الأصدقاء و نرسو على الأطلال لنحرق ما تبقى من سفن الحروب و نطمع في السلام و تطهير الذّنوب . نستذكر المجد القريب و ابتسامات الحبيب و خيالات الرفاق حين كانوا يشحذون عزائمنا المجهدة . من هنا مرّوا ، كتبوا وصاياهم على الجدران و انسحبوا ، حملوا حقائب السفر ، أحرقوا دفاتر اليوميّات و الصور ، و استعدّوا للرّحيل الأخير ، و لنا خلفهم نفس المصير .
ما أجمل الموت على أسوارك يا وطني و ما أعذب الدمع حين يداعب شفتي حبيبتي ، قيصرنا العظيم نصب لنا المشانق في السّاحات و أعدمنا أمام نسائنا و سيستعبد أبناءنا عن قريب ، بينما أعناق الرّجال تنحني في تحيّة للغياب و الفجر يعلن عن موت القمر في أدغال السحاب ، رفاقنا الحالمون ، ينتظرون في السجون يوم العفو المرتقب ، سيرقصون على أنقاض الخراب الجميل و يشربون نخب وطن عليل ، وطن حيث للدمع نهر و للدّم نهر و للنفط نهر و ليس فيه للحب نهر وطن حيث يموت الأصيل .


صفوان الطرابلسي
نشر بجريدة ضد السلطة
16/05/2013

vendredi 10 mai 2013

تحت السّور

كان يجلس في ذهول ، تلهيه هالة الأضواء و الأجواء الغريبة لقاعة التّصوير عن ما يدور من حديث داخل " الأستوديو " . نظراته المبهمة ، الهائمة مثّلت أبلغ تعبير عن سذاجة الطّفولة المقهورة . استهوته آلات التّصوير الكثيرة و أشكالها المتنوّعة الغريبة ، أبهرته فخامة الأثاث، تمنّى لو كان لهم في البيت أريكة مريحة كالتي يجلس عليها الآن ، كان سيتسنّى لوالدته النّوم في راحة ، دون أن تنغّص ليلتها آلام الظّهر اللّعينة. تسرقه أحلام اليقظة ، تأخذه في رحلة لذيذة ، يتخيّل هذا المكان ملكا له ، يتخيّل نفسه و قد صار رجلا بشاربين كثّين  ، جالسا خلف هذه الآلات الخرافيّة يحركها و يكلّم من حين لآخر سيّدة جميلة كالتي تجلس أمامه الآن . تطير به الأحلام ، ينسى خجله لدقائق لكن لغط الجمهور يأتي من حين لآخر فيوقظه  ليعيده إلى واقعه المرير ، يحاول أن يسأل أمه عن سبب قدومه إلى هذا المكان ، لكنها تنتهره بلطف ، تسكته بوخزة صغيرة هامسة في أذنه " تأدّب يا بنّي ، الناس يشاهدوننا ، كن عاقلا ...  " . هي أيضا يحتلّها الخجل ، ماذا ستجيبه إن أصر على سؤاله ، جئنا هنا لنتسوّل ، نفضح آلامنا أمام آلاف البشر على المباشر ، ترى هل سيغفر لها حين يكبر؟ هل سيتفهّم معاناتها ؟ تهاجمها اسئلة بغيضة لكنها مع ذلك تخفي حرجها و تواصل حوارها الثقيل مع المذيعة بينما طفلها يغوص في أحلامه ، محاولا لجم فضوله و الإكتفاء بإمتاع نظره . فجأة تضع أمّه المصدح بين يديه و تباغته السيّدة الأنيقة بسؤال غريب لم يعتد سماعه " أحمد ... قل لي ماذا تريد ، ما الذي ينقصك ..." ، السؤال مفاجئ ، غريب أمر هذه السّيدة ، تفحّصها بنظرة سريعة ، أنيقة و جميلة ، جذبه لمعان السّاعة في معصمها و بشرتها البيضاء السّاحرة .ظل صامتا لبرهة لكنّها ألحّت عليه " أحمد تكّلم ، لا تخجل ، ما الذي تريده ، ما هي الأشياء اللتي تحبّها ؟ " . " ماذا تريد ، ماذا تحب ، ما الذي ينقصك ؟ "  هو يريد أشياء كثيرة ، تنقصه أشياء كثيرة ، ترى هل يستسمحها اللّعب بتلك الآلات الغريبة ، هل يطلب منها أخذ الأريكة كي يخفف من ألم والدته ، هل يصارحها بأنّه يريد تقبيلها و يشتهي أن يملك في يوم من الأيّام ساعة لامعة مثل ساعتها  ... إنساب مع سيل أمانيه المكتومة لكنّ خاطرا ثقيلا نغّص تفكيره البريء ، تذكّر كلمات معلّم الرّياضة حين نهره و منعه من اللّعب في حصّته نظرا لأنه لا يملك حذاءا رياضيا ، تذكّر نظرات الشفقة في عيون زميلاته و عبارات السّخرية التي نبس بها الصبية و هم يشيرون إليه و يغيظونه ، تذكّر الوقوف المهين تحت سور الملعب ، حابسا دمعه ، كاظما حقده مصطنعا عدم المبالاة أمام أصدقائه . غالبته الأحاسيس و دون أن يشعر تنهّد ناطقا عبارته اليتيمة بحرقة ""   "أريد حذاءا رياضيا "  كلماته خرجت كالرّصاصة لتخترق قلوب كل من شاهدوه ، سكت الجميع و نزل على الحاضرين صمت مريع إذ لم يتمالك الطفل نفسه و أجهش بالبكاء ، إنّه الصمت المقدّس في حضرة الألم الأزليّ للبشر المضطهدين . ضمته الأم بين ذراعيها محاولة مواساته و مسح دموعه المنهمرة ، لكنّها لم تتمالك هي الأخرى نفسها ، كان إحساس الذنب ينهشها ، ما الذي أتى بها إلى هذا المكان الملعون سوى الشيطان و الفقر المهين . ارهقها كبت مشاعرها و استسلمت لبكاء مر ،  لم تكن وحدها تبكي ،  بكت المذيعة و الجمهور و لن تكون إنسانا إن لم تبكي دما عند مشاهدة هذا الفصل الدّرامي الواقعي. لكن ما فائدة دموعك أيّها السّاذج أمام هذا البؤس المقزز ، ما نفع نواحك ما دمت ستجد ألف تعليل لركودك حين تخلد إلى نفسك ، بكاؤك مجرّد ترويح عن النفس يسكت إحساسك بالذّنب و بالمسؤوليّة تجاه هؤلاء المعذّبين على الأرض. لن تتحمّل المشهد ، لا عليك حاول الهروب و غير القناة لكن بذاءة الواقع ستلاحقك ، نشرة الأخبار ينضح منها العار ، نوّاب المجلس التأسيسي يسعون لتمرير منحة جديدة ، صراع ديكة تحت قبّة مجلس الشّعب ، من سينال شرف سرقة الشّعب ، شتائم و مشادات و ترّهات ، شريط هندي مبتذل ، هذا يريد اقتناء سيّارة و الآخر لديه إلتزامات عائليّة و ثالث لم تعد تكفيه " الشّهريّة "  و رابع يريد منحة سياحيّة و خامس يعربد لأن إيجار مكتبه ارتفع و سادس لأن" الوسكي " عن طاولته انقطع و الشعب مازال يجتر الصبر ، ينتظر يوم الفرج و الدّستور أكله الحمار و الوطن يهدده الدّمار و أحمد مازال يجلس كل اسبوع خلال حصّة الرّياضة تحت السور  لأنه لا يملك ثمن حذاء رياضي ... 

صفوان الطرابلسي 

jeudi 2 mai 2013

خرافة الديمــ(و)قراطيّة


حينما سئل "فيكتور هيجو" عن الدّيمقراطيّة ، أجاب بصراحة أن العبرة ليست في صندوق الإنتخاب ، من الجيّد أن يذهب الشّعب للتصويت لكن لا قيمة لصوته ما لم ينجح المجتمع أوّلا في إرساء قضاء مستقل و فرض صحافة حرّة و شرسة تستميت في الدّفاع عن الفئات المضطهدة و الطبقة الكادحة ضد ثالوث السّلطة الغاصب : سلطة المال ، سلطة السّلاح و سلطة الدّين . هذا المحور المرعب الطّامح لتدمير الدّولة الشعبيّة التقدميّة ، حلم الملايين و الضّامن الوحيد للكرامة البشريّة و العدالة الإجتماعيّة . و لهذا  قبل الحديث عن الدّيمقراطيّة في شكلها العام بما هي آليّات حكم و تسيير علينا أن ننظر في جوهرها الغير معلن ، النسبي إلى حد التشتت و المتغيّر عبر العصور ، و لمزيد الفهم وجب أن نطرح السؤال الأزلي ، في مصلحة من هي ؟
فهمنا الرّاهن للدّيمقراطيّة ليس سوى وهم و هلوسات ناتجة عن الإستكانة للأفكار الرّجعيّة التي فرضها نمط الحياة الإستهلاكي. و هنا نقطة تناقض جوهريّة ، إذْ بقدر التطوّر التكنلوجي الذي نشهده نعيش فترة تصحّر فكري غريبة و حتّى العلوم الإنسانيّة صارت تقتصر على دراسة الظواهر إنطلاقا من بعد نقدي بحت و ليس إنطلاقا من رغبة تغيير و ايجاد حلول جذريّة . هنا نستنتج أن الفكر اللبرالي الرّأسمالي أنتج مجتمعات محافظة تعتبر الخروج عن الحدود التي رسمها النظام خطيئة كبرى . و فهمنا للديمقراطيّة يأتي في هذا السّياق ، هي بالنسبة لنا لا تتجاوز الصّنم الذي نصوغه بأيدينا ثم نعبده اجتنابا لتأنيب ألضمير كالمجتمعات الجاهليّة .
لأننا لو تناولناها من النّاحية العمليّة  فلا وجود للديمقراطيّة في كنف نظام لبرالي رأسمالي . حين تتجمّع سلطة السلاح و المال في يد واحدة و يشرع لهما عبر النّفوذ العاطفي للدّين لا يمكن فيما بعد حماية وسائل الإنتاج و الثروات بل سينقرض الإنسان نفسه إذ يتحوّل إلى وسيلة للإنتاج ، آلة ، عبد لهذه السلطة التي تمارس هيمنتها انطلاقا من شرعيّة النّظام الدّيمقراطي الذي استبطنه الشعب . إذا ليس للديمقراطيّة معنى في ضل عجزها عن تحقيق العدالة الإجتماعيّة و ليس في مقدور منظومة إجتماعية مثل المنظومة الرّأسمالية - قائمة على إستغال السّلط الثلاث للسيطرة على وسائل الإنتاج - أن تفرز مجتمعا متوازنا حتى و لو أدخل عليها جانب من التّلطيف الدّيمقراطي على مستوى آليّات الحكم ، إذ من غير المنطقي أن نجمع بين المستغِل و المستغل داخل إطار واحد و نطمع في بناء منظومة إجتماعيّة مستقرّة .
علينا أن نقر بسذاجتنا إذا اعتبرنا أن ما نعيشه اليوم هو مسار انتقال ديمقراطي ، بل هو في أحسن الحالات بناء لنظام تمثيلي على الشّاكلة الأمريكيّة أو الأوروبيّة ، نظام تعيد  أقطاب السّلطة السّابقة التموقع داخله وفقا لقانون داخلي جديد و لآليّات جديدة متّبعة في تقسيم الغنيمة . بصريح العبارة أنظمة دكتاتوريّة تعتمد آليّات الدّيمقراطيّة لكسب الشّرعيّة الشّعبيّة و هدفها ككل الأنظمة الإستغلاليّة يتلخص في السّيطرة على ثروات الشّعوب و وسائل إنتاجها . لهذا علينا التوقّف عن اجترار الوهم و المرور الى جوهر الأفكار ، نحدد أهدافنا بوضوح : نحن نبحث عن العدالة الإجتماعيّة ، عن الكرامة البشريّة و عن حماية الإنسان من الإندثار في خضم هذه الحرب ضد السلط الثلاث الآنف ذكرها . علينا السّير إلى الهدف و تحقيقه ، الديمقراطيّة التمثيليّة ليست سوى فكرة قاصرة ، هي مجرّد آليّة عاجزة في ضل غياب الإرادة السياسيّة و الممارسة الأخلاقيّة . شعوب الأرض تستحق أكثر من هذا بكثير ، لكن على هذه الشعوب أيضا أن تعي دورها و على نخبها أن تؤدي واجبها المقدّس ، الصراع في سبيل حيازة السّلطة كأداة لتغيير الواقع منهج أثبت إفلاسه و قصوره ، من يريد تغيير الواقع عليه أن ينزل للشوارع ، للحقول ، للمدارس ، للجامعات و المصانع ، عليه أن يمر سريعا إلى مرحلة الممارسة الماديّة و أن يخرج من بوتقة الفعل الرّمزي ، يساهم في تطوير وعي الشّعب و بناء عقليّة ثوريّة ، قائمة على منظومة قيميّة جديدة أساسها مقاومة الرّداءة الفكريّة و الظلم الإجتماعي و الإبتذال المتجسّد في الكيان الخاضع للإنسان العامّي ، علينا أن نعيد بناء شخصيّة الإنسان المعاصر كي يحمل الرّاية و يقلب المعادلة و هذا البناء ينطلق من القاعدة ، من خلال تثوير الثقافة الشّعبيّة و إعادة الإعتبار للشعوب التي ستكتشف عندها قيمة نفسها ، مدى تأثير فعلها الثّوري و تدرك أن السّلطة الحقيقيّة كامنة بين يديها .

صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة
في 2013/05/02
·        


jeudi 25 avril 2013

الشعب صابر ... سيّب صابر / 2

الثامنة صباحا ، شارع باب بنات يعج بخلق الله المتعبين ، المقاهي قبالة المحكمة كخلايا النّحل في ذروة عملها المحموم ، محامون ، مدّعون ، مواطنون عاديّون ، المذنبون منهم و المظلومون ، يدخلون و يخرجون في هرج و مرج أبديّين لا يكتسب هذا الشارع روحه و لا إسمه دونهما . على الرّصيف الأمامي في الرّكن الأيسر قبالة الزّقاق الفرعي الذي يتم عبره إدخال المتهمين إلى المحكمة ، كانت عائلة صابر المرايحي و أولاد حومته ينتظرون  وصوله بفارغ الصّبر ، كل الأهالي  يرابطون قبالة هذا الزّقاق طامعين في رؤية أبناءهم و لو من خلال شبّاك سيّارة البوليس ، يبادلونهم نظرة عابرة و يشجّعونهم  ببعض الكلمات الضّائعة . سامية الأخت الكبرى لصابر كانت أكثر المجموعة نشاطا ،  يحدوها أمل حقيقي  في الإفرج عن أخيها اليوم ، كانت مشتاقة إلى أن يعود الصّفاء للبيت الصّغير و تعود الضّحكة لثغر أمها المجروحة ، كانت مشتاقة إلى رؤية الرّاحة و الطمأنينة تغزو محيّا والدها من جديد . اخذت تتنقل كالمجنونة بين عائلتها و بعض الأصدقاء المرابطين في المقهى المقابل ، الهاتف لم يتوقف على الرّنين منذ سويعات الفجر الأولى ، تردّ على المكالمات ، تتصل بالمحامين و تلقي التّصريحات  للوسائل الإعلامية القليلة التي اهتمّت بالقضيّة فمحاكمة صابر يتجلّى فيها البعد السياسيّ بامتياز ، مرآة ينعكس فيها الواقع التّعيس للثّورة التّونسيّة . صبار المرايحي مسجون منذ حوالي السّنة و النّصف بتهمة المشاركة في الثّورة ، وجهت له تهمة محاولة القتل العمد و إحراق سيّارة بعد أن أسقطت  عنه دائرة الإتّهام تهمة السّرقة . و ما هو معلوم ، أن المجني عليه أي  المتضرر في قضيّة الحال  عون أمن تم الإعتداء عليه إثر مروره  بحي مجاور لحومة صابر تزامنا مع وفات طفل صغير عمره لا يتجاوز أربعة عشر سنة برصاصة في الرّأس ، لكن الغريب في الأمر أن دائرة الإتّهام ثبتت التهمة على الشاب رغم إقرار الشهود بعدم تواجده في مكان الحادثة في ذلك الوقت بالإضافة إلى عدم وجود أي دليل مادي على الجريمة ، سوى أوصاف عامة ذكرها عون الأمن كارتداء قبّعة و نظّارة أو لون البشرة بالإضافة إلى شريط فيديو منشور على شبكة الفايسبوك بتاريخ  يوم آخر غير يوم الجريمة ، ظهر فيه صابر  المرايحي رفقة بعض الشّباب من أبناء الحي و هم يسبّون البوليس إبّان " أحداث ما يسمّى بالثورة " إذ هكذا كان يحلوا لهم دائما تسميتها في محاضر جلساتهم .
مرّ الوقت ثقيلا و حان موعد الجلسة ، توجّه الجميع إلى القاعة عدد ستّة . منع شرطي بعض الشباب من الدّخول بتعّلة  ارتدائهم قمصان كتب عليها " الحرّية لصابر المرايحي " ، حاولوا إيقاف شاب آخر كان قد ألصق على الحائط ببهو المحكمة أوراقا كتب عليها شعارات ساخرة تندد بالمحاكمة . لكن مع ذلك مرّت العمليّة بسلام و تمكّنت العائلة و بعض الأصدقاء من الدّخول رغم أن الجلسة في الأصل مغلقة . جلس الجميع في صمت قبل أن ينادى على الشّاب المتّهم ، وقف أمام القاضي ، ثابتا ، كان يعرف أن عين أمّه الدّامعة تراقبه بحنان خرافي ، كان يتخيّل أخته و هي تتخبّط في مكانها ، يحرق كبدها شوق ناريّ لكنّه مع ذلك تمالك أعصابه ، أخفى ضعفه و تشاؤمه و ترك للمحامي أن يتكلّم على لسانه معربا عن إستغرابه من غياب المجني عليه و مصرّا على براءة موكله طالبا من المحكمة قبول  إطلاق السّراح المشروط  مع  إلتزام صابر بالحضور كل ما تم  إستدعاؤه  .
رفع القاضي الجلسة ،إذ سيتم النّظر في مطلب السّراح خلال المداولة و إصدار القرار فيما بعد . خرج الجميع من القاعة تملؤهم شحنة من التّفاؤل ، القرار لن ينزل إلى الكتابة قبل الرّابعة ، عادوا الى البهو تبادلوا أطراف الحديث ، الأم و الخال مع المحامي يستفسرون عن مسار القضيّة و الشباب تجمعوا في ركن يحاولون الترويح عن أنفسهم ببعض الأحاديث الجانبيّة ، رغم أنّهم لا يعرفون بعضهم البعض الّا أن القضيّة خلقت بينهم رابطا معنويّا قويّا . فيما بعد  ذهبت الأم مع الخال الذي يقطن في حي قريب ، امّا سامية فقد انسحبت مع أصدقائها الى مقهى الشوّاشين بالمدينة العربي . كأس من الشاي السّاخن ، سيجارة و القليل من الفن العتيق قد يفي بالغرض و يخفف من حدّة التّرقب الموجع ، جلّهم منهكون لم يناموا منذ البارحة و عليهم الإنتظار حتّى العصر علّ القدر يحن و ينفحهم بخبر سعيد ينهي ولو مؤقتا هذه المعاناة .  
تمكّن الجميع من الصّمود الى هذا الحين ، عند الساعة الرّابعة نفذ الصّبر  عادوا إلى المحكمة ، جلسوا بالبهو كل يحاول قتل الوقت بما أتيح في يده من وسائل ، سامية تتسلّى بإطعام قطّة صغيرة ، شاب يغنّي و آخر يقرأ جريدة قديمة ، بينما أحرق الإنتظار أعصاب الأم فنهضت و دخلت الى مكتب الكتابة لتسأل عن القرار الصّادر في حق إبنها . طال مكوثها ، نزلت على المنتظرين غمامة تشاؤم ، بدأت الغمغمات و الهمهمات تتسربل بينهم كالوباء ، إلى أن صعقهم الخبر ، رفض الطّلب و تأجيل القضيّة الى يوم الرّابع و العشرين من ماي .
حاول الجميع تمالك أعصابهم و خصوصا الأم التي أحرجها أن تبكي أما أصدقاء إبنتها ، هي التي حرصت دائما على أن تظهر بصورة المرأة المقاومة ، اتصلت بالمحامي الذي شرح الوضع ، لقد رفض القاضي طلبهم نظرا لغياب المجني عليه و خطورة التّهم التي كالتها دائرة الإتّهام لصابر . وقد نوّه إلى أن هذا الغياب كان متعمّدا كي يطيل في أمد حبس الشاب علّهم يرضخون لمطالبه و يدخلون معه في مساومات  ، فبالنسبة لهؤلاء البشر القذرين ما يهم هو التعويض و أما حياة شاب في مقتبل العمر فتهون أمام حاجاتهم الماديّة أو طموحاتهم السياسيّة  . ما إن أنهت المكالمة حتى تنهّدت بصوت مسموع ، رفعت رأسها للسماء و دعت على الظّالم ثم استسلمت لبكاء صامت حارق . سامية أيضا كان تشتتها واضحا رغم ما عرف عنها من صمود ، تقاسم قلبها إحساس مهين بالضّعف و الغبن و حقد أسود يطالب بالثأر و يشعل النّار في كامل الجسد . تبادل الجميع النظرات و كلمات العزاء لكنّهم أجمعوا على أن الطريق مازال طويلا و قد تعهّد الجميع بمواصلة التّحرّك  ، صحيح أنّهم ليسوا كثرا – فقضيّة صابر لا تمثّل مادّة إعلاميّة دسمة أو فرصة سياسيّة تغري بالرّكوب عليها  كما أنّها قضيّة تتجاوز الحدود التي رسمها النظام للّعبة السياسيّة إذ  ستكشف خور المسار الثوري المبتذل الذي نعيشه - لكن مع ذلك هم ليسوا في حاجة لتعزيزات مناضلي الإحتفالات الفلكلوريّة ، سيصمدون بمفردهم ، أولاد الأحياء الشعبيّة كفيلون بالدّفاع عن القضيّة و بذل التّضحيات في سبيل إستكمال ثورتهم و صابر المرايحي يمثل اليوم رمزهم ، معاناته و معاناة عائلته دافع لهم حتى يكملوا المسيرة و صموده خلف القضبان يلهمهم العناد و يحرّضهم على المقاومة في الشوارع الخلفيّة و على الأرصفة المجهدة لهذه المدن المتخمة بالمال القذر و المثخنة بجراح الدّهر جرّاء الظلم و الإستغلال .

 صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة
في 25/04/2013