samedi 23 février 2013

جانفي الجنفري



جانفي القدّيس يستعد للرّحيل ، يودّعنا تاركا لنا في طيّات الزّمان مفاجآته الحارقة . كتبتْ هذه السطور لعشّاق المقامة ، كتبت على شرف هذا الشهر البديع هديّة للثوّار المرابطين في كل ساحات الحرّية من هذا الوطن ، من ميدان التحرير في مصر الى دوّار اللؤلؤة في البحرين وصولا الى الساحة الحمراء في تونس ، ساحة محمد علي الخالدة ، هديّة لكل من يؤمن بأن التاريخ نتاج للصراع  و أن الثورة هي عيد الكادحين .


ألا اِنهض يا اٍبن العرب
لتكتب التاريخ في عصر مجيدْ
سلاحك في الساحات صيحات الغضب
وحلمك في الآفاق يصعد من جديدْ
ربيع الثورة المرجو اقترب
و قلبك المجروح قد صار عتيدْ
ترى الأحلام من فوق السحب
فمد يديك واقطف ما تريدْ
نار الثورة من لهب و حب
و قلب الثائر من زبر الحديدْ
لو أشعلت الأرض ما نفذ الحطب
زنودنا تحمي العرض من كل وعيدْ
دماؤنا في الشريان بركان غضب
أنفاس هذه الأرض ذوبت الجليدْ
فكسر  قيدك قد كان السبب
في جعل هذا الشعب من  صنف العبيدْ
تعبنا مللنا من طول الخطب
و في الساحات الشعب يريدْ
فنهج الحر يملؤه التعب
و السير للعشاق أملهم الوحيدْ
تهون حياتي إذا موتي وجب
شهيدا أبعث في يوم سعيدْ
و يزهوا رفاقي من عنف الطرب
و من عمق الميدان يرتفع النشيدْ
يموت قاتلي من خوف و رعب
و يعرف أن الشعب يثأر للشهيدْ
و مهما تزور تاريخي الكتب
أصحح المسار في الفجر الوليدْ
أنا الإنسان أرهقه الكرب
سأقهر كيد الظلم على كل صعيدْ
فمن عمق الصّحراء ينفجر اللّهب
رفاقي سلاحي و الرّأي السديدْ
أبناء هذه الأرض يأتون العجب
وتولد الأحلام في الأفق البعيدْ


صفوان الطرابلسي  
 نشر بجريدة ضد السلطة 
في 2013/02/02






jeudi 21 février 2013

رسالة الى سيّدة مجهولة


كيف يكون لرسائلي معنى و لم يعد للمنطق في هذا الوطن وجود ؟ كيف أكتب لك قصائد الحب و قلمي ينزف حقدا و دما متخثّرا ؟ أين أجد زهرة حمراء اللون ، أملأ ببتلاتها الظرف قبل ارساله ، فمن فرط خطايانا قاطعنا الرّبيع . من الارهاب الى الارهاب نمضي و الدفء يموت شيئا فشيئا داخل قلبي ، كيف سأبكي يوم تكتشفين الحقيقة و تهجرينني ، لقد جف الدمع ، بتنا نودّع الشهداء كما نودّع الغروب ، نجتر الصمت بحزن عميق و قلب عليل لكن دون دموع .
" سيّدتي ... أيقتلك البرد ؟ أنا يقتلني نصف الدفء و نصف الموقف أكثر. " أنا يقتلني صقيع القلب ، يأس رفاقي و غدر الشيطان الأكبر . سيّدتي لا تطلبي منّي أن أحكي عن تاريخ العشق الضّائع بين ثنايا الخوف ، لا تطلبي منّي أن أرقص فرصاص الغدر يعزف لحنا صوفيا يغريني بالموت ، يهديني لقبا أبديا و دموع فتاة عشقتني في السّر ، تكبت شوق الحب و تسير بعد رحيلي على الدرب .
سيّدتي ، فلتعذري رعبي ، مأساتي و جبني أو ربّما غبني فوطني يقترف الخطايا و لا يتوب. قولي عنّي ما تشائين ، مجنون ، معلول ، سوداوي ، فوضوي أو طفل يخاف من غول الاساطير الوهميّة . قولي ما تشائين فقط هبيني قليلا من الحب ، قليلا من الدفء الباطني لنهد يعرف كيف يلعب دور الأمومة ، يعرف كيف يغذّي الشجاعة و الرّجولة و يحمي ما تبقّى لي من كبرياء .
سيّدتي ، هل تعلمين كيف يغتالون الحب في الصدور ؟ هل تعرفين احساس العيش المؤجل و الموت الحاضر في كل الزّوايا ، احساس جائع يحرث الأرض بأظافره و ينثر بين طيّاتها فتات كبده ليأكل سيّده المبجّل . أما آن الأوان كي نخجل ؟ هنا ، على هذه الأرض كل مشاعرنا و أحلامنا مشاريع وهميّة ، نصوغها في لحظات اليأس نصوصا أدبيّة و صورا سينمائية ، نحاول أن نقنع أنفسنا بأنها ستقنع الله و تكون حجّتنا بأننا عرفنا كيف تعاش الحياة. هل تراه سيغفر لنا لمجرّد أننا نطيع ولي الأمر و نقلع عن شرب الخمر و نكتفي بعد العشاء بالاستغفار و الصلاة. ألن يحاسبنا على السّكوت ، ألن يلومنا عن جهلنا ، عن جبننا ، عن خذلاننا له و افسادنا في الأرض . ألن يلوم خضوعنا للأفخاذ المتهالكة على عتبات الدول الكبرى ، ألن يسألنا الله يوم القيامة عما تبقّى من حب في أفئدتنا ، عما تبقّى من الانساني فينا ، قد لا نكون المذنبين سيّدتي لكننا لسنا أبرياء. أنت لا تعرفين كيف تحوّل شعب عمره ثلاثة آلاف سنة و أكثر الى قطيع من الغنم. أنت لا تعرفين كيف يعاد انتاج الصنم. تبدأ القصّة حين نولد في الفقر ، تحته بقليل أو فوقه بقليل ، ليس هنالك فرق كبير ، نعيش السلام الى حدود اليوم الذي نربط فيه أول حرفين لتكوين كلمة و مع أول سؤال تنطلق المعركة ، يبدؤون في حصارك و لحمايتك من الخطيئة يرتكبون أكبر الخطايا ، يعدمون عقلك تدريجيا و يلقنونك عرف القطيع. إيّاك أن تكون مختلفا بينهم ، إيّاك أن ترى أشياء لا يروها ، إيّاك أن تبحث عن شيء فهم سيعلمونك كل شيء. سيلقنونك درسا في القناعة ، كن محافظا أو لا تكون ، التغيير بداية الخراب و عين الجنون لهذا عليك أن تكتفي بما يسردونه عليك في الكتب المدرسيّة ، سيقرؤون لك التاريخ بالمقلوب ، سيقولون أن شكري كان كافرا لذلك لا ينعت بالشهيد و أن جيفارى كان إرهابيا و مارقا يريد تحرير العبيد و تحطيم كل القيود. سيعلمونك كيف تكره النوّاب لأنه كان بذيئا و فوضويا و كيف تمقت غسّان لأنّه كان شيوعيا ، لن تستطيع بعدها أن تفهم شعر الماغوط و مكامن الغموض في شعر درويش . ستربّي على لسانك الرّيش و تكتفي بتلاوة القرآن دون فهمه ، فالتفسير من شيم العلماء هم وحدهم مخولون لقراءة ما خلف السطور ، لذلك لا تفكر في النزول الى المكتبة فلن تجد ما يفيد ، لقد أحرقت كتب ابن رشد لأنه سبّق العقل عن النقل و قطعت اوصال الحلاج لأنه توحد في حب الله . ضع عقلك جانبا و سر خلفهم للجهاد ، سر الى الجحيم مزهوا بسراب الجنّة ، الرصاصة الأخيرة لن تسمع صوتها ، لن تحس ألمها ، لكن هل سيغفر الله ذنبك ، ربما لست أنت المذنب الحقيقي لكنك لست بريئا الى هذه الدرجة.
سيّدتي هل عرفت الآن كيف يموت الحب في الصدور ، كيف تحوّل الإنسان الى عملة نادرة ، كيف يلفظ شعب عمره ثلاثة آلاف سنة آخر أنفاسه و يضيع في سراب الهويّة المبهمة ،سيّدتي جودي علينا بقليل من الحب ، إن الطريق طويل و الزّاد لا يكفي لمواجهة المصير . 

صفوان الطرابلسي 
نشر في جريدة ضد السلطة  

vendredi 15 février 2013

ثلاث رسائل على هامش السيرة


رفعت الأقلام و جفّت الصّحف ، انتهى القدر من كتابة المأساة و بدأ الظلام في اكتساح الطرقات و اغتيال الضمائر في الصدور. من يريد قراءة التاريخ فليترك معسكر المنتصرين و فخامة العناوين و ليقتفى رائحة البارود و أثر الدماء بين السطور ، وحدهم الشهداء وصلوا للحقيقة المجرّدة و وحدهم الجبناء من ييأسون في منتصف الطريق و يتفرغون بعد الهزيمة للبكاء .
الرّسالة الأولى: رفيقي الشهيد ، هل أعجبك الكفن ؟ هل هي دافئة أرض الوطن ؟ ترى ماهي أسئلة الملائكة عند استقبالك ، هل استجوبوك عن ما حفظت من قرآن ؟ أم عن ما فعلت من أجل تحرير الإنسان ؟  لا تحزن يا رفيقي و نم في سلام ، صورتك لازالت ترعبهم حتى بعد رحيلك ، رفاقك يحملون اللواء و رفض الجميع البكاء رغم عطش الجفون و الضمئ الناري في الضلوع . لا تحزن يا رفيقي ، فقد تركت خلفك امرأة بألف رجل و طفلة وقفت يوم تشييعك فوق نعشك رافعة راية النصر القادم في الأفق ، لا تحزن فقد رفضنا قبول العزاء ممن ليس لهم عزاء في وطن يعشقك ، خرجت الملايين وراءك و رفعت صورتك في كل ميادين الحريّة في العالم . أرادوا قتلك فخلّدوك ، كنت تغذي العزم فينا بالكلمات و اليوم بعد الممات صار ثأرك حافزنا لتصحيح مسار التاريخ ، و كما يقول النواب " علّمني وطني أن حروف التاريخ مزوّرة حين تكون بدون دماء " ، لن يستطيع أحد بعد اليوم التشكيك في نضالك و لا محوا اسمك من سجل عشّاق الوطن فما يكتب بالدم بين سطور الزمن لا تمحه أياد الغدر و النفاق .
الرّسالة الثانية :  الى حمّه الهمّامي و باقي الرّفاق ، " ذهب الذين تحبّهم ذهبوا/ فاما أن تكون/ أو لا تكون " شكري رسم لنا و لكم خط المسير بدمه الطاهر ، الصّراع اليوم صار من أجل البقاء ، الثأر يطول بطالبه و لكنّه لا يموت و الخوف لم يعد له معنى في قاموسنا ، لا مجال للمهادنة بعد اليوم و اليأس في هذا الظرف خيانة ، لم يعد مجال للصلح و لعب السياسة فكبرياء الرجال يأبى المتاجرة بدماء الشهداء . " لا تصالح و منحوك الذهب / ترى لو أفقؤ عينيك و أثبت جوهرتين مكانهما / هل ترى ؟ / هي أشياء لا تشترى ..." و نحن لن نشتري دم رفيقنا بدم رخيص ، لن نساوي بينه و بين قاتله الخسيس و لن نكتفي بمجرّد القصاص ، لن نعزف لحن الرّصاص بل سنكمل الطريق و على خطاه سنحرر هذا الوطن ، سنهديه حلما تقاسمناه ذات يوم ، سنهديه تونس بالف زهرة و ألف وردة و ألف ياسمينة كما كان يعشقها و يطمح أن يراها ترقص على ألحان الرّبيع .
الرّسالة الثالثة : الى شعب يسير الى جهنّم مظللا بحلم الجنة " يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء  / منحدرين في نهاية المساء / لا تحلموا بعالم سعيد / فخلف كل قيصر يموت / قيصر جديد / وخلف كل ثائر يموت / احزان بلا جدوى / و دمعة سدى ..."
اليوم لم يعد هناك مكان للنحيب على الماضي ، و ليس هنالك مصلحة في  النظر الى الوراء ، التاريخ كتب وانتهى ، لكن المستقبل لا يزال بين يديك و الصراع بات من أجل البقاء ، تعال لتنقض ما تبقّى من الانساني فينا و لتشعل نار الثورة في أرجاء هذا الوطن ، مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة و القيد لا ينكسر بضربة حظ عابرة ، فلتبحث أيها الشعب العظيم عن الثورة داخلك ، لا تنتظر قيام المسيح ، انها التضحية و الايمان الدّخلي بالحق في حياة كالحياة و لتذكر دائما ان " المحررين لا وجود لهم الشعوب هي من تحرر نفسها ..."

صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة 
2013/03/09

samedi 2 février 2013

إنسان SOS

نهار الأحد نهار الكبّي والنوم.. نصبح راڨدة بعد جمعة قراية وتعب.. الأحد اللّي فات رصّاتي غاطسة في مستنقع النقد والتحليل.. استنتاجات.. مقارنات.. واسقاطات! تي ماهو أنا راقدة ونسمع في أمّي تبكي.. يا سلّاك يا سلّاك.. قمت نجري بتباطئ نلقاها تمسح في خناينها :
لاباس آش فمّا زادة ؟
! لايكا الكلبة ماتت
! أما كلبة ؟! أكا الكلبة العربي السّايبة في الحومة
طلّيت نلقى للّا لايكا غاطسة في دموماتها.. هبطت مسّيتها نلقاها مازالت تتنفّس: هذه مضروبة بالرشّ.. الشرطة البلديّة عاملة حملة.. مازالت تتنفّس، نادي الواحد من أولاد الحومة يهزّها وراء البلاص تكمّل اطّلع الرّوح..
! مازالت حيّة؟! يا ناري علاش يضربو فيها بالرشّ
ماجاوبتهاش ودخلت نكمّل في نومتي.. ضربو الرجّالة بالرشّ خلّي لايكا الكلبة..
جاني خليل ولد الجارة يبكي تحت راسي: أمان مش إنت طبيبة ـ يراني لابسة المنديلة البيضة ساعات، أما مانيش ـ أمان داويها!
سخّفني، خرجت معاه.. مش كان أمّي تبكي! الحومة فزعت.. صغار تتباكى.. نساء و رجال.. يا بوڨلب! شدتني هستيريا ضحك، لين أمّي نعتتني بالشرّيرة قدّام النّاس الكل.. ما فهمتنيش لواش نضحك (انتم فهمتو) ! أيّا ما نكثرّش عليكم دبّرتلهم نومرو
SOS animaux :
نحنا مقّرنا في نابل، أعملو نداء في صفحة الفايسبوك متاعنا.. لازم تلقاو شكون يجيبها غزرولي الكل فرد مرّة.. دخلت كي الخرّاية (باسم مستعار) و كتبت "نداء استغاثة" عطيت فيه معطيات أمي.. مش أكثر من عشر دقائق و نسمع فيها تتكلّم في التليفون وتوصف في ادريسة دارنا..
السيّد اللّي جاء مهندس إعلاميّة ما يتجاوزش عمرو 30 سنة، سيّارة فخمة.. تحمّل عناء الثنيّة من مڨرين لحيّ التحرير على خاطر للّا لايكا.. و زيد بش يهزّها للمداواة في نابل! أنا باقي نضحك وأمّي تتشوحرلي.. مافهمتنيش (انتم فهمتوني) !
صغار الحومة بصوت واحد: بعد ماتبرى ترجّعوها؟؟
جاوبهم عمّك الرّاجل بكل حزم: لازم توفّرولها مكان لائق تسكن فيه وتتعهّدو برعايتها وماكلتها ومداواتها.. ونحن نعملولكم زيارات فجئية كان نلقاوها ناقصة حاجة نفكّوها و نشوفو شكون يستبناها .
هنا أنا ماعاش نجّم و تثنيت بالضّحك.. لين أمّي نبزتني وقتلي أدخل برد عليك! أمي باقي مافهمتنيش (انتم فهمتو) !
عشيّة كاملة و أمّي في اتصال مع منقذ لايكا وبابنا ما ركحش كلّ مرّة يطبطب واحد يسأل عليها: الدكتورة روضة لاهية بيها، عملتلها السّيروم و نحتّلها الرشّ، كان تعدّي اللّيلة تمنع ..
نهار الاثنين أنا مروّحة من الفاك و يعرضني جارنا كي كنت صغيرة يخوّفني: يرحم بوك علّي عملتو مع الكلبة! ريناها في الفايسبوك بدات تتحسّن وكلات شويّة أما مسكينة عينها تعورت ..
رجعتلي هيستيريا الضحك.. صحّة ليها لايكا لقات شكون يتلها بها! دخلت شفتها نلقاها بالسيروم راقدة في فرش ومتغطية.. تاكل في اللّحم المفروم.. مع التصويرة نلقى التعليق الآتي :

"
Écrivez à vos maires, notre argent des impôts ne doit pas servir à ça"

نضحك.. نضحك وأمّي مافهمتنيش (انتم فهمتو) !! فهمتو أنّه الثورة القادمة لن تكون من أجل الكرامة والقضاء على الفساد!! ستكون ثورة من أجل رشفة ماء نظيفة وعلبة دواء لم تنتهي مدّة صلوحيتها ومسؤول واحد غير كاذب و آس.او. آس إنسان.. فهمتو لماذا هذا الاستنتاج؟

رحمة البلدي 

vendredi 25 janvier 2013

لا لقتل صابر المرايحي


في عصور الانحطاط ، حين يصير الابتذال ثقافة و الرّداءة سمة للعصر ، ينتهي الكلام عن المنطق و يعدم العقل في مهرجانات الهرج و المرج . " نحن في عالم يجبرنا على ممارسة الحب في الخفاء في حين يمارس العنف في وضح النّهار" هكذا وصّف جون لينون عصر الانحطاط . لكن ما الذي كان سيقوله ، لو لم يقتله أحد المهووسين بفنّه ، وتمكّن من أن يعيش ليرى ما نعانيه اليوم . ربّما كان سيفضّل المقاومة في صمت ، حينما يرى سيّارة الشرطة تنطلق بسرعة جنونيّة في قرية لا توجد على الخريطة و تدهس في طريقها شابا في عمر الورد يعيل عائلة بأكملها من تجارة السجائر المهرّبة . ترديه قتيلا في لمح البصر  أما اخوانه و ابناء عمومته . يشعر سائقها بارتطام الجثة و تحطم العظام و تشق الرّأس ، لكنّه بكل برودة دم يواصل الطريق غير عابئ بما اقترفت يداه . الشاب اسمه وحيد الكوني القاطن في مدينة عقارب من ولاية صفاقس . الإشكال الحقيقي في القصّة  ، لا يتمثل في الحادث ، في النهاية لعب القدر دوره ، و ليس هنالك من يفر من ساعة موته . لكن حين تتعمّد دوريّة الحرس الوطني الهروب بعد قتل الشاب ، و يتم استدعاء التعزيزات و التنكيل بالأهالي اثر احتجاجهم على وفات وحيد ، يصبح للحادث بعد آخر . القضيّة لم تعد موت شاب في حادث مرور عادي ، فهذا الحادث و ما تلاه خصوصا من أحداث، استنزفت ما تبقى في رصيدنا الخاوي من انسانيّة . "نحن لا ننشد عالم لا يقتل فيه أحد ، بل عالما لا يمكن فيه تبرير القتل " هكذا قال ألبير كامو عن عصر الانحطاط . هو أيضا كان ضحيّة حادث مرور أليم ، حرمنا أحد أكبر مفكري القرن العشرين . لكن ماذا لو عاند قدره و تمكّن من الحياة ، كان سيعرف أن القتل ليس أكبر الخطايا . ماذا تراه يقول حين يشاهد صابر المرايحي قابعا في السجن ، شاب في الخامسة و العشرون من عمره ، عامل بشركة السكك الحديدية ، ابن الشعب ، زوّالي عيّاش كما يقولون ، من الكبّارية أحد الأحياء الشعبيّة في ضواحي تونس العاصمة . صابر اليوم حكم عليه بالسجن لمدّة عشرين سنة و هو لا يزال قيد الايقاف بعد الاستئناف ، ينتظر مصيرا مجهولا ، او ربّما لم يعد ينتظر شيئا . يبتسم كلّما مرت أمام عينيه أوراق ملفه ، كثر الهم يضحّك ، تهمته المشاركة في الثورة و من يتهمه بممارسة العنف شرطي و الدّليل شريط فيديو منشور على الفايسبوك ، شوهد فيه صابر مع مجموعة من اصدقائه ايّام الثورة يسبون البوليس . قمّة السخرية ، القدر يسخر منّا كل يوم ألف مرّة و البوليس يزني فينا كل ليلة و حماة الشعب يقفون على الباب كالقوّادين و يكتفون بالتنصّة في خجل او ربما في لذّة.
في النهاية اريد أن أتوجّه بكلمة لصابر " الحبس كذاب و الحي يروّح... " فقضيّته لم تعد اليوم همّا شخصيا ، انها قضيّة شعب تسرق ثورته أو ربّما ثورة بدأت تأكل أولادها . أمّا حكّامنا الأفاضل فيكفيهم مني نصيحة أبو القاسم الشابي للمستعمر " حذاري فتحت الرّماد اللهيب / و من يزرع الشوك يجني الجراح " و ما يزرعونه اليوم في مجتمعنا من قهر و ظلم و تجهيل و تفتيت ، يتراكم يوما بعد يوم و عاقبته لن تتوقف عند الجراح لأن " ارادة الشعوب تكره المزاح ".


صفوان الطرابلسي
ضد السلطة في 26/01/2013

mercredi 23 janvier 2013

و اذا الموؤدة سئلت

كانت تنظر إلى وجهها في المرآة ، تحاول اكتشاف نفسها من جديد ، لم تعد منذ ذلك اليوم تلك الفتاة ذات الملامح البريئة و النظرة الصّادقة ، فقدت احساسها بالإنسانيّة و جدوى الوجود ، كانت تتمنّى لو أنها لم تخلق قط ، لو أنها لم تكن شابّة بملامح طفوليّة حائرة و شفتين زهريّتين و عينين كحب اللوز فاتنتين .
لم يضق جفناها طعم النوم منذ الحادثة ، كلّما أغمضت عينيها تراءت لها تلك الوجوه المتوحّشة ككلاب جائعة ، كذئاب يسيل لعابها لرائحة الدم . رائحتهم لازالت ملتصقة بجسدها ، لعابهم المقزز لازالت لزوجته فوق شفتيها و نهديها ، كلماتهم الدّاعرة  تدوّي كل  اليل داخل أذنيها كآذان شيطان . لمساتهم المتوحشة و تضاريس اياديهم تركت آثارها محفورة فوق بطنها و فخذيها و سلخت الدموع خدّيها و طال بها البكاء . لن تستطيع مهما حاولت أن تنسى ذلك الألم المريع عندما اخترقت نيراهم أحشاءها الطّاهرة . لن تستطيع أن تنسى رائحة الدم و لونه حين إخطلط ببقايا الخطيئة في رحمها و سال على فخذيها يرسم طريق الجحيم  و حتّى حين تحاول النسيان تتكفّل نظرات النّاس بتذكيرها أن ما انكسر لا يتم تصليحه على هذه الأرض .
دائما ما كانت تسأل عن ذنبها ؟؟ ماهو يا ترى ؟؟ و لم تستطع إلى اليوم أن تجد له جوابا ، فقط ذنبها أنّها امرأة ضعيفة  ولدت في مجتمع ظالم و مبتذل  جعل شرفه بين فخذيه ، فقط لأنها ترعرعت في مجتمع يسمّي الكبت فضيلة و يقدّس العفّة و يرمي بالعدالة للجحيم ، كل ذنبها أنها وقفت ذلك اليوم في طريق إنسان فاض كأس شهوته و استعار إغتلاما و احترقت قنواته التناسليّة من فرط الصقيع و لمدّة كاد ينسى أنه رجل من فرط الحرمان فأراد أن يبرهن لنفسه أنه مازال كما كان .
كانت تنظر إلى وجهها في المرآة ، تتفحص ملامحها و تحاول أن تقرأ الألم المتخلّد في العينين التّائهتين . بدأت القصّة حين أمرها رئسيها في ورشة  الخياطة أن تواصل العمل هي و بعض زميلاتها بعد الدّوام الأصليّ ، الطلبيّة لم تجهز بعد و التسليم يجب أن يتم في الغد . لم تمانع ، فهذا يعني ساعات إضافيّة و هي في أمس حاجة إلى كل قرش يمكنها جنيه ، لقد صارت المعيل الأوّل للعائلة منذ أن أصيب والدها بالسرطان و لم يعد قادرا على العمل ، و ما تجنيه أمّها من العمل في البيوت لا يكفيهم لسد لقمة العيش و تغطية مصاريف شقيقها الذي يدرس في العاصمة و دواء والدها .
 و حتى لا تثير المشاكل قررت الإتصال بخطيبها حتى تعلمه أنها ستتأخر في العمل ، و لأنّه غيور و شكّاك إلى أبعد الحدود طلب منها أن تتصل به حين تكمل الدوام حتى يمرّ  بسيّارة العمل و يوصلها فالوقت سيكون متأخرا و لن يطمئن قلبه حتى يراها تدخل باب البيت . 
 و كما كان الإتفاق وجدته أمام بوابة المصنع ينتظرها ، كعادته ، يلبس قميص الدنقري الأزرق و يدخن سيجارته في هدوء ، قابلته بابتسامة منهكة ، كان العمل شاقا و طويلا و الحرارة خانقة  ولكنها حين جلست بجانبه نسيت تعبها ، كانت مشتاقة إليه ، إلى رائحته و كلماته ، لم تقابله منذ أسبوع و رسائل الهاتف المتبادلة في ساعات الليل لم تكن تطفئ شوقها . هو أيضا كان مشتاقا إليها لذلك حينما إتصلت به إغتنم الفرصة و أتى مسرعا . تجاذبا طول الطريق أحديث مختلفة و لكن قبل أن يصلا إلى منعطف المنزل كان الجو قد مال إلى الرمنسيّة ، كما كان الشّارع مقفرا و أضواء البلديّة مطفأة  . بدأ الدفء يجتاح أوصالهما و الشهوة تجتاحهما و لكنّهما رغم كل هذا الشوق المتخلّد في الصدور لم يكونا  يطمعان في أكثر من بعض القبلات للذكرى ، حينها أطفأ محمود المحرك و أخذ يداعب شعرها وخدّها و ما كاد يلثم الشفتين ، حتّى سمعى صوت سيّارة توقفت إلى جانبها بشكل عنيف ، نزل منها ثلاثة رجال و فتح أحدهم الباب في عنف و جذب محمود و لكمه فسقط أرضا ، ثم أخذ يركله ، لم يستطع محمود أن يتبين هويّة الشخص في البداية لكنه تمكن في ما بعد أن يعرف أنّه شرطي . أنزل عون آخر خديجة من الجهة الأخرى . لم تفهم الفتاة شيء في البداية ، لكن سرعان ما استوعبت أن دوريّة مرة بالصدفة في تلك اللحظة التي هم فيها محمود بتقبيلها فانتابتها موجة بكاء هستيري خصوصا عندما رأت الشرطي يضرب خطيبها ، ترجتهم أن يتركوه ، لكن أحدهم شتمها و صفعها و طلب منها أن تغلق فمها .

و بعد ان أنهوا حفلت الاستقبال الأولى من ضرب و شتم  وضعوا لهما الأصفاد و ركب كل منهم في سيّارة و اتجهوا الى قسم الشرطة ، كان محمود  قد ركب مع أحد الأعوان في سيّارته ، و من حسن حضّه أنه تمكّن من إقناعه بأن يتركهما مقابل مبلغ لا باس به من المال يتقاسمه مع زملائه ، فانعطفا عند أول مفترق  فاتجاه البيت بينما واصلت السّيارة الثانية طريقها ،  تتطلب ذلك بعض الوقت لأن المنزل كان بعيدا ، في الضاحية الثانية من المدينة و لم يكن المال متوفرا لدى محمود نقدا فاضطرّ إلى سحب المال ببطاقته الذكيّة من موزع أحد البنوك و ضن أن القصّة ستنتهي عند هذا الحد .

 لكن المأسات الكبرى لم تكن هنا فحين عاد محمود لإسطحاب خديجة  ، كان على محيّاها ملامح غريبة ، صعدت الى السيّارة دون أن تنبس بكلمة ، لم يلاحظ محمود شيء في البداية ، هو أيضا لم يكن له خلق للكلام ، و أرجع خوفها إلى الصدمة فالأمر ليس بالهين عليها . لكنه حين صعد إلى السيّارة و أشعل الضوء ، لاحظ أن قميصها كان ممزقا ، نزل بنظره قليلا فرى بقع الدم على تنوّرتها ، لم ينبس بكلمة ، فقد تكلّمت عيناه هذه المرّة و نزلت من محجريه دمعة قاتمة اللون تنبؤ بالمحرقة . أمّا خديجة هائمة في ملكوت  آخر ، عيناها تنظران إلى الدّخل و ملامحها ملامح احتضار .
شغل المحرّك ، و دون أي كلمة توجه الى المستشفى ، روى القصّة لطبيب ألاستعجالي ، ترك له رقم هاتفه و عاد الى السيّارة مسرعا ، توجه الى البيت ، دخل في هدوء ، حمل ساطور أخيه الجزّار و خرج دون أن ينبس بكلمة و دون أن يجب عن تساؤلات امّه المعذبة . خرج و لم يعد ، حاولوا الاتصال به عدّة مرّات ، كان هاتفه مغلقا ، خرج شقيقه للبحث عنه ، جاب كل شوارع المدينة و لكن دون جدوى و حين يئس من البحث توجه إلى مركز الشرطة لتقديم بلاغ و هناك اكتشف كل القصّة .
ليقرأ الجميع من الغد في الصفحات الأولى من الجرائد   أن مخبولا إقتحم مركز الشرطة مع السّاعات الأولى للفجر يحمل ساطورا  ، و قد نشبت بينه وبين الأعوان معركة أودت بحياته و حيات أحدهم بين جرح ثلاثة آخرون .  و بعد حولي الأسبوع تم إستداع خديجة لتمثل  أمام قاضي التحقيق ،  لكن ليس كضحية بل جان تحت تهمة التجاهر بما ينافي الحياء وقد تم إخلاء سبيلها بعد عرضها على الاختصاصي النفسي ليثبت  عدم سلامة مداركها العقليّة ، حوسب الجاني و أنصفت الضّحية و اقفل في الغبّان ملفّ القضيّة .


 صفوان الطرابلسي



samedi 19 janvier 2013

ثورة في مهب الغباء

" لا شيء يعجبني ..."
يصرخ درويش داخلنا باحثا عن مخرج ، صدورنا ضاقت بآلامنا و أحلامنا لم يعد لها مكان في الأفق ، أجهضها الجهل و الغباء . سنتان مرتا سريعا على اندلاع ثورة أراد شعبها اسقاط النظام فسقط في فخ الهويّة الضائعة بين ثنايا الوهم . الرّكب يسير الى المجهول ، الانسان داخلنا يصارع من أجل البقاء ، يحاول انقاذ ما تبقّى من البشريّ فينا و انتشالنا من حضيض الرّداءة و الابتذال . لا شيء تغيّر على هذه الأرض غير تاريخ الاحتفال.
على هذه الأرض فقد الانسان احساسه بالوجود ، أفلت رسن الزّمان من يديه و بدأ بالتقهقر الى الوراء دون وعي . فرّط في ثمالة الشرف المتبقّية في رصيده ، نزع عنه الكبرياء و احتفل للسنة الثانية بثورة الكرامة. شرب كأس الذل و المهانة ، اصطنع أمام الحضور الابتسامة و حين تفرّق المحتفلون و عاد وفد المهنّؤون من حيث جاء ، سحب ما تبقّى من ذكرياته و تفرّغ للبكاء. سقط في دوّامة الفراغ ، مثل سيزيف أدمن العدميّة ، حمل الصخرة فوق ظهره دهرا و كان يضنّها قدرا ، لعنة تتبعه الى ما لا نهاية. أكثر الأشياء غرابة باتت عاجزة على استفزاز مشاعره المحبطة ، جثة حيّة تسير في شوارع مبهمة التفاصيل ، لا طعم و لا لون و لا حتّى عناوين تكون الدّليل  ، حطام يجوب في الحطام . تضيع البوصلة و يفلت زمام الأمور، مظفّر على الرصيف المقابل يرقص رقصة زوربا على أنقاض الخراب الجميل فلا شيء يعيد النظام لهذا العالم المجنون " سيكون خرابا ... سيكون خرابا ... هذه الأمّة لابد لها من درس في التخريب."
متى تؤمن هذه الأمّة أن الحركة قانون الحياة ، متى تحطّم أصنامها و تؤمن بشبابها و تكفّ عن اجترار الماضي فمستقبلنا الى الأمام. كل زعمائنا شيوخ و كل صراعاتنا هامشيّة ، عقد مترسّبة من بقايا حروب غابرة تجاوزتها البشريّة بقرون ، نجري وراء أمجاد لن تعود ، نغوص في قراءة تاريخ الأمم السابقة و ننسى أن تاريخنا يكتب الآن وهنا و لن يفيدنا نسخ الأحداث فالتاريخ لا يعيد نفسه سوى في أوهامنا. من يبن الجمل اليائسة يصعد الرفيق ماركس للواجهة " التاريخ يعيد نفسه في المرّة الأولى كمأساة و في المرّة الثانية كمهزلة " و نحن الآن في أقصى تجلّيات المهزلة. التاريخ يعيد نفسه في أوطاننا كل دقيقة ، نعيش حياة ليست لنا ، نخوض حرب أجدادنا ، و نلوي رقابنا كالنعاج و نسلّم بحتميّة القدر، تتعاقب على حكمنا الأنظمة الفاشيّة منذ الأزل و يتاجر بشرفنا سماسرة السياسة و المتسوّلون على عتبات الدول الكبرى. لازلنا الى اليوم نباع في سوق النخاسة الدولي بأبخس الأثمان ، تتزايد على لحمنا الأفخاذ الملكيّة و بارونات الامبرياليّة و حين تتم الصفقة نصفّق بحرارة لبطل المسرحيّة و نكتفي نحن بدور الضّحيّة.
يصرخ درويش في وجوهنا حانقا " سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدَّس، كلما وجد الفقيرُ عشاءَهُ ..."  سنصير شعبا حين نضع يدنا على الجرح النّازف ،القرن الواحد و العشرون و مازال الفلّاحون في سيدي بوزيد و جندوبة و سليانة يعانون الأمرّين من سوء استغلال و توزيع الاراضي ، حلمهم لا يتعدّى قرار الاستصلاح الزراعي. ثلاثة آلاف سنة من الحضارة و مازال اهل الجنوب يمتهنون التهريب ، يخاطرون بحياتهم في سبيل لقمة العيش و ينتفضون كل سنة ضد اغلاق المعابر. مازال العدل في وطني زائرا عابرا. خمسون سنة من الانفتاح الاقتصادي و اهل الحوض المنجمي يلعنون الفسفاط و لا يطلبون أكثر من العدل في توزيع الثروات . ستوّن ستة من استقلال الجمهرية وتأسيس الدولة و سنتان مرتا على الثورة و لازلنا نبحث عن الكرامة و الكبرياء ، نطالب بالقصاص من قتلت الشهداء و عند المواجهة نكتفي بالدعاء ، هذه الأمة لابد لها من درس في التاريخ ، هذا الشعب لابد أن يكف عن قراءة العناوين المكتوبة بماء الذهب لأن الحقيقة مدوّنة بالدماء على الهوامش ، يصرخ مظفّر من جديد " وطني علّمني ... علّمني أن حروف التاريخ مزوّرة حين تكون بدون دماء ."
سنتان مرّتا على ثورة شعب أراد تصحيح المسار و كتابة تاريخه بيده ، ترى هل يملك ما يكفي من دماء ؟
هل يملك ما يكفي من شجاعة و كبرياء ؟ لأن الأيادي المرتعشة لا تكتب التّاريخ و من يحتفل قبل الأوان يخسر المعركة ...

صفوان الطرابلسي
ضد السلطة في 21/01/2013