samedi 5 janvier 2013

عيادة سجن المرناقيّة

كان الدكتور عماد الطبيب المستحدث الانتداب جالسا إلى مكتبه في قسم الإستعجالي، يحاول التغلب على ساعات الليل الثقيلة بالاستماع إلى أغاني فيروز و ارتشاف فنجان قهوة مرّة ، يطالع بين الحين و الآخر بعض الأخبار على الفايسبوك أو يحاول حل رزمة من مجلات الكلمات المتقاطعة . ضلّ على هذه الحال من الاسترخاء حتى باغته ممرّض ليخبره أن إدارة السجون أرسلت لهم سجينا  في حالة احتضار  . دخل الغرفة مسرعا ، وجد المساعدين يقومون بالإسعافات الأوليّة ، قدّم له أحد أعوان الأمن الملف الطبي ، استلمه ثم طلب منه عماد مغادرة الغرفة .
قرأ عماد الملف بتأن و ما ان وقع نظره على الاسم حتى خالجه بعض الشك ، قفز إلى ذهنه خبر قرأه بأحد المواقع عن حالة تعذيب شاب من مكثر محبوس في سجن المرناقية بسبب قضية كيدية اثر خلاف مع مسؤول جهوي  ، استغرب من حالة التعتيم التي تهيمن على الحالة رغم خطورتها  . رفع ناظريه عن الأوراق ، وجد رئيس الممرضين واقفا عند السرير باديا عليه التّشنّج بينما المساعدون يقومون بالإسعافات ، كان قد عاين الكثير من هذه الحالات و خصوصا في بداياته عندما كان ممرضا في عيادة سجن 9  أفريل ، نظر إلى الطبيب بقلق :" الحالة صعبة جدا ، آثار التعذيب واضحة ، لا أتصوّر أنه سيتمكن من تجاوز هذه الليلة ."
اشاح الطبيب الشاب بنظره عن الممرض محاولا إخفاء ارتباكه و انطلق في فحص السجين دون أن ينطق بكلمة ، الكدمات و الجروح منتشرة في كامل أنحاء الجسم و قد تعفنت جرّاء الاهمال ، يبدو أنه على هذه الحالة منذ ايام ، يتنفس بصعوبة بالغة نظرا لكسر في ضلوعه ، لكن الشيء الوحيد الذي حير الطبيب هو هذا الثقب الذي ينزف في الأذن اليمنى و الانتفاخ في الكليتين و الركبتين ، يبدو أن الوضع في حاجة الى فحص دقيق و مطوّل ، خصوصا و أن الحالة في تراجع منذ وصولها .
نظر إلى زميله ، هز رأسه  ، كتب شيئا على دفتر ثم بادره قائلا :" أريدك أن تشرف على الحالة بنفسك ، سأعود إلى المكتب لكتابة التقرير الأولي ، الحالة خطرة ، و قضيته لها أبعاد سياسية ، لا نريد أن نتورّط في أي مشاكل ، احرص على أن لا يدخل أعوان الأمن إلى الغرفة  و لا تعطهم أي معلومة شافية ، حالة التعذيب واضحة و سيسعون جاهدين لإخفائها، لا تترك لهم الفرصة  "
رد الممرض بعد زفرة طويلة :" لا عليك ، عايشت بعض هذه الحالات في السابق ، أعرف كيف أتصرّف ، و على ذكر التقرير ، لقد أخبرني أحد الحرّاس أنه يتبول الدم منذ أيام و قد رفضت ادارة السجن السماح له بزيارة العيادة ، شيء آخر، حينما وصل كانت معه حقيبة صغيرة بها بعض الأدوية لكنها لم تكن قد استعملت بعد " 
-" من الواضح أنه قد تم تعذيبه بشكل وحشي و ممنهج ، إهماله كان مقصودا ،  لو كانوا عرضوه على الطبيب منذ البداية و تلقى العلاج ما كان سيصل الى هذه الحالة ، اذا تمكن من الصمود الى الغد سنجري له فحوصات الأشعّة و مجموعة من التحاليل  ، الله الستّار ، تابع الحالة جيّدا ، هذه قائمة الأدوية ، أنهي التقرير على جناح السرعة و أعود "
دخل عماد مكتبه ، فتح حاسوبه و بحث عن الخبر الضّائع ، نقّب قليلا بين الصّفحات و أخيرا وجد المقال ، كان قصيرا في شكل خبر عابر " شباب حزب العمّال يحتجّون أمام وزارة الدّاخليّة إثر تعرض رفيقهم نبيل عرعاري للتعذيب على يد أعوان الأمن وتعكّر حالته الصّحيّة نتيجة حرمانه من العلاج " لم يعد هناك مجال للشك ، انّه الشخص الذي يحتضر في الغرفة المجاورة .

انطلق عماد في كتابة التقرير ، حاول جاهدا التركيز على عمله و التعامل معه كأي مريض عادي  ، لكنه لم يستطع السيطرة على مشاعره . توقف منذ الجملة الأولى  ، كان يشعر بإحساس غريب ، مزيج من القهر و العار . نظر الى نفسه في المرآة باحتقار ، آلاف الأسئلة تهاجمه دون رحمة ، ترى ما الذي اقترفه هذا الإنسان حتى ينتهي به المطاف الى هذا المصير ؟ أي نوع من الكائنات هذا الذي يعذب انسانا حتى الاحتضار و يمنع عنه العلاج الى أن يفوت الأوان ؟ أي بشر نحن الذين أدمنّا الصمت و العجز و لم يعد لنا من وسيلة للمقاومة سوى البكاء ؟  حتى من ظنناهم يناصرون الضعفاء ، بان بالكاشف أنّهم لا يساندون سوى القضايا الرابحة فهم لا يبحثون عن الحقيقة الاّ إذا كان وراءها آلة تصوير توثّق بطولاتهم الواهية . لكن السؤال الجوهري الآن ، هل ستسمح لنفسك بالصمت عن هذه الجريمة ؟ هل ستقتل الإنسان داخلك و تسمح بتشويه الحقيقة ؟ أنت تعرف جيّدا أن أمثال هذا  المسكين لا يملكون قنواتا تلفزيّة و لا منظمات برجوازية تساندهم في قضاياهم ، هم لا يملكون سوى الحقيقة المرّة و ألم الحرقة و عزيمة دافعها الحقد على الظلم و رغبة جامحة في الإنتقام ، أنت الآن في مفترق الطرق و عليك الإختيار، الي أي معسكر سننتمي ، الحرب يا صديقي على الأبواب و أنت لا يمكنك أن تكون محايدا وسط كل هذا الخراب .

صفوان الطرابلسي 
ضد السلطة في 2012/01/05

vendredi 4 janvier 2013

أينما توجد السلطة تكون المقاومـة

تضرب مَــصطفى بن جعفر و المرزوڨي بالحجر.. تشّجع الانتصاب الفوضوي و ما تشري كان من نصبة جِلمي  في باب بحر. تكتب عالحيوط و ماتعترفش بالممنوع.. تصوّر فيديو ضدّ الفقر و الجوع. في مظاهرة تعرّڨها للبوليس.. تكتب نصّ تفضح فيه حمّادي الخسيس..
كلّها أشكال مقاومة، فليس هناك بالعلاقة مع السلطة موقعا واحدا للرفض الكبير ـ روح العصيان مركز لكلّ التمردات و القانون الخالص للثوري ـ و إنّما هناك مقاومات (جمع مقاومة) و هي حالات إستعجالية ضروريّة غير محتملة تلقائيّة متوحّشة منعزلة مدبّرة زاحفة عنيفة غير قابلة للتصالح.
نسكت.. و الشعر يصرخ:
لا تصالح على الدم.. حتى بدم! / لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ / أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟ / أقلب الغريب كقلب أخيك؟! / أعيناه عينا أخيك؟!
"سعيد ولعة" ما نعرفش علاش ينادولو "ولعة" على خاطر خدم قهواجي اختصاص شيشة و إلّا لأنّه شعلة نشاط.. مايركحش! أينما كانت مظاهرة أو اعتصام يكون "سعيد ولعة" موجودا، منذ احداث الحوض المنجمي و """""""""ولعة" ما ركحش.. لم ينتمي يوما لحزب أو جمعية، يؤمن بأشياء ثلاث: حبّ الوطن و حبّ التدوين و كره البوليس.
كان "ولعة" يكره الصمت و الوحدة.. كان "ولعة" يحبّ لافيني و بار بوعبانة و جريدة لوموند و منوّر صمادح و بوكفسكي و الشيخ إمام و المرأة الجميلة..
كان "ولعة" يردّد كلّ ربيع: يسألونك عن الوطن قل إنّها تونس.. إنّها تونس التّي تحمّلت الجميع، جلّادين و حالمين !
كان "ولعة" يكره البؤس و اليأس، حاضر البديهة كثير النكتة..
كان "ولعة" يُقبل على أصدقائه بشوشا طرِبا "آه يا سهر اللّيالى آه يا حلو على بالى غنّي آه غنّي آه غنّي عالطرقات" ، كان يقبل عليهم ضاحكا و يتركهم باكيا بعد أن توقظ الصفراء فيه ربّة الشعر "وكلّ يوم في حبّك تزيد الممنوعات.. وكل يوم بحبك أكتر من اللّي فات".
كان "ولعة" حفّاظا للشعر حميما عطوفا، يكره النقود.. فائرا بالثورة، متيقنا أنّ "الأنا لا تضع أو تثبت نفسها إلا حين تقاوم" كما يقول فيلسوف المقاومة "فيختة".
على رأي "المرشد" هو يساري فوضوي.. آخر مرّة رأيته كان في 7 أفريل 2012، تحرّك المعطّلين في الساحة الحمراء، ساحة محَمِّد علي الحّامي.. في الامبولونس (سيّارة الاسعاف) على بعضنا في اتّجاه مستشفى الحبيب ثامر يضرخ "ولعة" :
« عندما ترفض إزدواجيّة الإسلاميّين تصبح عميلا للفرنكفونيّة و عندما ترفض إندفاع الشّيوعيّين تصبح مساندا للإمبرياليّة، أمّا عندما تعبّر عن مقتك لإنهزاميّة الوسطيّة فأنت متطرّف.. كأنّ لا حقّ لك في تفكير يخصّك أو أن تنتمي فقط لنفسك او لجموع الجماهير بدون إسم. وعندما تستعيض عن الألم بالسّخريّة، فأنت قليل الأدب.. و عندما تطرح الأسئلة و تمنح نفسك حقّ الشّكّ فأنت بالضّرورة موال لذاك أو ذاك!! .«
أوّل مرّة نشوفو في حالة يأس مماثلة.. بعدها اختفى "سعيد" ! ناس تقول حرق و ناس تقول يعيش الترحال في احدى الجبال و فمّا شكون يقول انتحر..

ما نعرفش علاش اللّيلة نفكّر في "سعيد ولعة" برشة ربّما لأنّ أوّل يوم من "جانفي القدّيس" يأتيني بوصاياه:
« تونس عجوز شابّة وتلك ميزة رائعة.. هذا معناه أنّ خميرة المقاومة/الحكمة ترسخ هناك في أعماقها، في مائدة يوغرطة و ڨمح باجة و الحلفاء اللّي بريحة الفسفاط وفي وشمة على زناد زبراط..».
إيـــه أين أنت يا "ولعة" ‼ فالبحث عن الحلول والبدائل تسبّب في اعياء الجميع بل ارتدّ في هجمات يأس متكرّرة.. والفقر أصاب الناس بالذهول.. وعصا البوليس مازالت تسلب الكرامة والأمل من المواطنين.. و الفساد السياسي وصل إلى حدّ العفن.. فمتى يا "ولعة" تستيقظ "مدينة الموتى" متى تفيق على صدى صرخة أطفال الحزن الذين دفنتهم..

رحمة البلدي 

jeudi 3 janvier 2013

سنتان من الثورة ... أما بعد


هجم الليل بانيابه كي يمزق دفء المساء بصقيعه الذي يمنحك رغبة في التلاشي بين حبيبات الندى كي لا ينالك البرد.
ليس ببعيد عن الشرفة الدافئة و العشاء الفاخر الذي اقيم على شرف امراء النضال و الثوريين و احتفالا بثورة عبرت في صمت بين سطور التاريخ و ازقة المدينة الحالمة بين كثبان الفسفاط الرمادية و الحجارة المستوردة التي حملتها سواعد من هم تحت مرت بصمت كي تزيد في بوؤس العاصمة وشوارعها الواسعة التي تشعرك بالضيق يقبع ذاك المجهول الذي هو ليس سوى نموذجا أو قالبا جاهزا يستعمل في الخطابات و الحملات الانتخابية .
رداء ملطخ بالغائط و على الاجناب تكسوه الاتربة أسنانه شاهدة على عدد السنوات التي تبقت من عمره شعر اشعت مغبر و هو قابع بسكون تحت عمود النارة العمومي الذي يتأرجح ضوؤه بفعل البرد (في الواقع هو مصاب بعطب كحال البلاد )  في ذاك الشارع الخلفي الذي ألف  قصص العشق المحرم المحنى بالدم و صرخات النشوة و قطرات المني التي توشم كل ليلة اسم فحل الأمسية و الشاهد على صمت الجوعى القاتل و جنون المتشردين و نباح رجال الشرطة (الشرفاء منهم و الفاسدين)و احاديث الكلاب السائبة و رقصات السكارى كي يعيد كل ليلة اعادة صياغة قصص أمجاد 'زوس' و جنون 'زوربا' و هدوء البحار السبع بين قبضتي سندباد بحري و رعشات قلم منتشي بين أنامل 'بوكوفسكي' تصف سكره او بغيا مرت امام شباك سرواله تداعب ستاره و ما وراء الستار احيانا.
يستل 'مجهولنا' سيجارة ينفث فيها اللعنات و يبصق على الأرض كانما به يطرح آلهة بكونين ارضا فيسقطها بعد أن عجز نظيره عن ذلك اليوم عيد الثورة الثاني كانما تغيرت حاله او حال امثاله بل بالعكس حاله صارت اسوء فحرب الحياة مع العبد اسهل منها مع العبد و صانع العبد و هيأة الدفاع عنه ..لهم عشاؤهم الفاخر لهم النزل الفخمة لهم المنتديات و الشراب الفاخر أما هو فله الغضب و مزيد الغضب عله يحوله يوما الى فعل في الأثناء من الأفضل أن يبحث له عن حجر يلهو به حتى 'يقتل الوقت' قبل أن يقتله عدم تقدم الوقت فهو على تلك الشاكلة منذ ...لا يهم منذ كم من الوقت ...و لا يهم ايضا كل الحديث السابق و لا الثورات (ان كانت ثمة ثورات اصلا) بالنسبة له هو المهم ان يجد حجرا يلهو به ...يواصل بحثه ثم يتراجع كأنه مل الفكرة او لعله فكر في اقتلاع احدى خصيتيه بينما كام يحكهما محاولا اغواء احدى المارات بارتذال يعتبره هو عفوية كما يعتبر ببساطة ان الثورات و الحديث عنها ليس سوى "لعب صغار" فالمشكل كل المشكل هو البوليس قبيح الشكل في بذلته الكريهة و بوقفته الشاذة بينما يلوك سيجارة بين شفتيه او يسوي قبعته ...المشكل هو ان رجل الامن شاذ ... وهو ليس وصفا فحسب بل هم فعلا شواذ او لعلهم لا يحتملون وجود فجوة الا و ملؤوها
لعله مرض لكن المجهول لا يفقه في الطب و لا علم النفس و لا الدين و لا الفلسفة و لا التاريخ و لا العلوم و لا الشعر و الادب هو صنيعة الارض المتجردة من كل العلوم صقلته الشوارع الخلفية و علمته كيف يقتلع لقمة العيش من فاه الاثرياء او حتى من جيوبهم و  متاعهم علمته ان الجنس يأتي قبل الأكل أحيانا و ان الكرامة تأتي قبل كل الأشياء و أن الانظمة هي ذاتها تتكون من ثلاث عصى بوليس محكمة فسجن هو نشاة الأحياء الشعبية القابعة في المناطق التي يعجز البعض عن تهجئة اسمها قادم من الارض المبسوطة الممدودة امتداد البصر هو تركيبة غير متجانسة من المكر و الحدة و العطف و الحب و الكره هو وعاء احتوى كل التناقضات لا يحتمل خطابات مسقطة من فاه محشو بالكافيار يحدثه عنه هو عن كيف يجب عليه ان يعيش محاولا تغيير نمط حياته حسب ما يشتهيه هذا الغبي المحوط بقطيع خرافه المرتلة المرددة لكلمات القائد الرفيق ..هو غير قادر على استيعاب كلمات أحمق اشبه بالشاة تتدلى لحيته بين خصيته يأمره و ينهيه كانه العالم العليم 'بيد ان كلامه اكثر واقعية (مادام متبوعا باسم الله) من كلام الرفيق ...
'آه يدهم كلها تحشي فيه'
كي يعود الصمت من جديد في الشارع ويتواصل الاحتفال بالثورة على الشرفة فوق راس المجهول ...بغي سكران و سلفي مروا تباعا أمام المجهول يتمتم ' اللي يفهم هذا الشعب ينيكني' ثم تحرك مطاردا البغي عله يظفر بمداعبة مجانية.

خلدون باجي عكاز
نشر في جريدة ضد السلطة 29/12/2012

mardi 1 janvier 2013

المشانق تنصب أيضا للأقلام



إنتبه! إذا كنت عربيا فحاذر من "الرقيب"، إرفع من 
صورك الكاركاتورية أو من مقالاتك أو من شعرك كل ما يمسّ الرئيس أو جحافل السلطة و أذنابها!
و إن كنت مُصرًّا على كلّ ما يحمله عملك الفنّي من إلتزام بقضايا الأمّة، عانق أفراد عائلتك و أكتب وصيتك و انتظر البوليس صباحاً قرب الباب !!
" جسّ الطبيب خافقي وقال لي: هل هنا الألم ؟؟
قلت له: نعم
فشقّ بالمشرط جيب معطفي واخرج القلم !!
هز الطبيب رأسه.. ومال وأبتسم
وقال لي: ليس سوى قلم
فقلت: لا يا سيدي
هذا يد.. وفم
ورصاصة.. ودم
وتهمة سافرة.. تمشي بلا قدم ! "
"الرقيب" يزعجه ما تصدح به حنجرة المغنّي و ما تنطق به ريشة الرسّام و ما يكتب الشاعر حين يفضحهم مدافعا عن الكادح المستضعف.. متحدّيا السلطة المستبدّة و الحكومة القمعيّة التّي تسعى أن تجعل منه (المبدع) مضخّم صوتٍ لها و خادما يحوّل الأنظار عن الداء بٱبتكار روجيستر التعتيم و الإيهام و التبندير.
و لأنّه لا يوجد ما هو أصدق من الفنّ للكشف عن أعماق النفس والإنخراط في الوعي بالقضية و المساهمة في ثورة الانسان، و لأنّ "للكلمة و الخط المرسوم وقع أقوى من طلقات الرصاص، يجد "الرقيب" نفسه مضطرا لصنع سيناريوهات من شأنها أن تفرض وصايةً على حريّة الفكر و الابداع.

يبدأ السيناريو رقم1 : استربتيز
يُختزل عمل سينمائي أو مسرحي في لقطة إباحية من خلال مانشيتات صحافة المجاري، فتنشر عناوين من قبل "فلانة تتعرّى" و "أثارت المشاهد المتدنية سخط المنسحبين من العرض، لما فيها من خدشٍ للحياء".. هكذا إذن يصبح العمل عرضا "للستريبتيز" حسب تلك الجرائد الصفراء بإشراف "الرقيب"، فننتقل من الحديث الفنّي إلى المنطق الأخلاقوي الشعبوي الذّي يجعل البعض حرّاسا على الأخلاق، ينصبّون أنفسهم مسؤولين عن القيم.

السيناريو رقم2: فتاوى تيك آوي
يلجأ الرقيب إلى شيوخ البيترودولار وتصبح "فتاوى" التكفير وإهدار الدم شبحا يلاحق الفن والإبداع.. فلتخريب تحت راية نصرة الدين هو الأسهل كما يكتسي هالة من الشرعيّة ، فكل ما يغلّف بمسحة دينيّة يجد الطريق معبدا إلي قلوب الجماهير.
" لماذا اغتلت فرج فودة ؟
القاتل : لأنه كافر.
ومن أيّ كتبه عرفت أنه كافر ؟
القاتل : أنا لم أقرأ كتبه.
كيف ؟
القاتل :أنا لا أقرأ ولا أكتب"
أمّا في تونس الثورة فالرقابة تمرّ عبر ديكتاتورية الذوق السليم و تجريم المسّ بالمقدسات الذّي اعتبرها مصطلحات غامضة لجريمة افتراضية وايديولوجية من عصر محاكم التفتيش، يُقصد بها ترهيب المبدعين ومنع النقد والفكر الحرّ والبحث والابداع.. الأمر الذّي يتطلب منّا جميعاً وقفة تاريخية للتصدّي لهم، فهم لا شكّ لديهم أجندة فنيّة وسوف يُنتجون أعمالا تُعبّر عن قناعاتهم الفكرية وسوف ينشؤون شركات إنتاج لديها فكر تريد له الانتشار كما هي جمعياتهم و رابطاتهم.
الفنّ وُجد ليبقى.. ليذهب دعاة الظلام إلى الجحيم و ليصرخ فيهم درويش:

"ماذا يثير الناس لو سرنا على ضوء النهار
و حملت عنك حقيبة اليد و المظلة
و أخذت ثغرك عند زاوية الجدار
و قطفت قبلة ؟"
سنقاوم ونقاوم ونقاوم لأجل الفنّ/الحياة.
رحمة البلدي 

dimanche 30 décembre 2012

آخر الرّؤساء المحترمين

دخل القصر مهتاجا ، مغتاظا ، تتبعه جمهرة من الحرّاس و المستشارين . رمى برنسه المبلل لأول خادم اعترضته عند الباب ، كمن يتخلص من لعنة أثقلته . الخادم المسكينة اصابها الذهول ، إذ لم تره على هذه الحالة قط ، و قد ازدادت ذهولا عندما اشتمت رائحة عفونة . خامرها الشك ، فحصت ملابسها لكنها سرعان ما اكتشفت أنها رائحة بقايا الطماطم المختمرة التي التصقت ببرنس الرئيس و سترات الحرّاس الذين توجهوا لتنظيف بدلاتهم ما إن أنهوا تأمين الموكب . كبتت ابتسامتها و انسحبت بسرعة قبل ان تنفجر ضاحكة في غرفة الغسيل و هي تروي لصديقاتها الحادثة محاولة تقليد الرئيس و هو يرعد و يزبد و يطوح برأسه و يديه في الهواء في حركات متشنجة و قد صار وجهه الأسمر أقرب إلى الزرقة من شدة الحنق ، كانت قد نفشت شعرها و أخذ اللعاب يتطاير من فمها في محاكاة ساخرة للمشهد بينما زميلاتها يجتهدن في كبت ضحكاتهنّ حتى لا تسمعهنّ المشرفة . 
صرف الرئيس مستشاريه بصرخة دوّى لها البهو و تردد صداها في أرجاء القصر ، حتى أن الخادم التي كادت تغفو على المكنسة الكهربائيّة و هي تنظّف غرفة نومه ، انتفضت في مكانها مرتعدة و سارعت بالخروج عندما أحسّت بخطواته تقترب . دخل يحاور نفسه بكلمات غير مفهومة ، أخذ قارورة النبيذ من خزانة صغيرة ، فتحها بصعوبة ، يداه ترتعشان بشدّة من فرط الغضب . استلقى على سريره برهة ، أغمض عينيه ، تنفّس بعمق ، حاول طرد هواجسه و تخفيف هياجه ، تناول جرعة من النبيذ ، سحب قارورة الدواء من جيبه و ابتلع حبّة مع جرعة ثانية . عندما أعطى المهدّئ مفعوله و أحس ببعض الراحة و الاسترخاء ، وقف قبالة المرآة كي يغير طقم ملابسه و مع كل قطعة ينتزعها كانت تهاجمه افكار غريبة ، افكار اجتهد طيلة سنتين في طردها من دماغه ، افكار قتلها في وجدانه منذ أن احترف السياسة .
وقف عاريا أمام المرآة ، لم يترك سوى سرواله الداخلي ، أحس و كأنّه ينزل عن كاهله ثقل الدنيا ، تناول جرعة كبيرة من النبيذ ، كان حارا و حارقا . نظر الى وجهه و كأنه يراه للمرّة الأولى ، لمن هذه السحنة يا ترى ، من صاحب هذه الصورة المعلّقة ؟
راجع كل شريط الرحلة و هذا الاحتفال المشؤوم . تذكر نزوله من السيّارة ، ابتسامات النفاق المرسومة على وجوه المسؤولين الجهويين ، عباراتهم المتملّقة ، قلقه إزاء الهتافات الغاضبة خارج الولاية و تطمينات مستشاريه المتواطئة.
تذكر خطواته و هو يصعد درج المنصّة ، تلك المعلقات التي كتب عليها شعار المهرجان ، ابتسم ابتسامة ساخرة و هو يتذكر هذا القدر من الابتذال لكنه سرعان ما انكمش حين مرّت أمامه فجأة صورة الجماهير الغاضبة ، أرعبه الرفض الذي استقبل به و الحقد الدفين الذي طالعه في نظرات عيونهم ، أحزنه الأسى الذي رسم على تقاسيم  وجوههم المرهقة و بريق الصمود الذي تجسّد في صيحاتهم الحانقة . كم يحتقر نفسه الآن حين يتذكر الكلمات المرتجلة و هو يحاول أن يهدّئ جماهيرا أدماها الفقر، بوعود يعرف مسبقا أنها مزيفة وواهية كعرشه الذي يجلس عليه . يكذب و يعرف أن من يستمع إليه يعرف أنه يكذب و لكنه رغم ذلك يتمادى بوقاحة خنزير بري ، ضاربا عرض الحائط مبادئه و كرامة شعبه .
الآن بات متيقّنا من الأسباب التي جعلته يخسر في سنة احترام الجميع ، اذا كان هو لم يعد يحترم نفسه ، يتصرّف و كأنه شخص آخر . ما الذي كان ينتظره من هؤلاء المساكين الذين أضناهم الجوع  و فتكت بشبابهم البطالة . أكان ينتظر أن يستقبلونه بالورود ويرشقونه بالحلوى وهو يزورهم حاملا حقيبة  من الأكاذيب في عيد ثورة كانوا هم حطبها و رأس حربتها ، ثورة كانت آخر آمالهم و هو أول راكب عليها و أول من ساهم في بناء ضريحها و شاهد الزّور الأساسي على اغتصابها في العلن . ما الذي كان ينتظره غير رشقه بالحجارة و بقايا الخضار الفاسدة ، رئيس الحكومة كان أكثر واقعية منه ، درس الوضع جيّدا و عرف متى يصاب بالزّكام ، أما هو فقد أعماه غروره و صدق الكذبة التي اخترعها.
ما آلمه حقا ، لم يكن الحادث في حد ذاته ، بل أن عمليّة الطرد كانت تتكرر كلّما زار تلك الجهات المحرومة و هو رغم ذلك يعمي بصيرته و يتهم يمينا و شمالا حتى ينسي و ينسى الحادثة و يعود الى حياته المعهودة و كأن شيئا لم يكن . لم يفكر في يوم من الأيام ، أن تلك الوجوه المغتاظة التي كانت تستقبله بشعارات التنديد هي نفسها التي استقبلته ذات يوم بابتسامات الأمل حين كان طبيبا يقود حملات العلاج التطوّعيّة في المناطق الداخليّة . ما آلمه حقا ، أنه تحول من طبيب يداوي ما تخلفه سياط الجلاد ، إلى سيد الجلادين على هذه الأرض ، طامعا أن يكون ماضيه المشرق غطاء لحاضره القذر ، ناسيا أن ذاكرة الشعوب قصيرة المدى و أن إرادتها لا تعرف المزاح .
أكمل آخر جرعة من القارورة ، لازال يقف عاريا وسط الغرفة ينظر إلى وجهه الشاحب في المرآة ، عليه أن يعيد لنفسه الاعتبار مادام كل هذا الجاه لم يستطع أن يعطه القليل من الاحترام ، الى الجحيم بما تبقى من الحياة ، رفع القارورة و هوى بها على المرآة ، سمع الدّوي في كامل الممر ، تراكض الجميع الى الغرفة لكنها كانت مغلقة من الداخل . قاموا باستدعاء الحراس الذين بدؤوا بخلع الباب ، الذي فتح على مصراعيه قبل أول ركلة . وجدوا الرئيس واقفا أمام المدخل مرتديا البذلة التي دخل بها أول مرّة القصر الرئاسي ، استدعى أحد مستشاريه ، قدم له ورقة استقالته ثم طلب منه أن يأمر باعداد سيّارة دون حراسة ، قالها وعلى وجهه علامات الراحة و نشوة لم يشعر بها منذ أن دخل هذا الدهليز الفخم : "الآن يمكنني العودة إلى البيت " .

تنويه : "أحداث هذه القصة خيالية ولا تمت للواقع بصلة وإن كان هناك أي تشابه بين الشخصيات وأي من الزبالة السياسية فقد حدث في حلم الكاتب ... لأنّ الساسة في وطننا لا يملكون ما يكفي من كرامة لتقديم الاستقالة. "
    
 صفوان الطرابلسي
ضد السلطة 27/12/2012

samedi 29 décembre 2012

تصاور مالحيط 2

وسيم الطرابلسي 

معرض تصاور مالحيط 
الدفعة الثانية 














Trabelsi Wassim 

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

Trabelsi Wassim

vendredi 28 décembre 2012

تغيّر الأحزاب و سياسة الإرهاب

" إذا اردت السيطرة على الناس ، أخبرهم أنهم معرضون للخطر و حذّرهم من أنّهم تحت التهديد ثم شكك في وطنيّة معارضيك "
ليس من الغريب أن تنسب هذه القولة لأدولف هتلر الزعيم النازي و ليس من الغريب أن تسير الدكتاتوريّات البائدة على هذا المنوال تحت رعاية الإمبرياليّة العالميّة مستغلّة ما توفّره هذه الأخيرة من امكانيّات هائلة في مجال الدمغجة الجماعيّة و البروبقندا السياسيّة . لتنتشر لنا الفزّاعات في كل زاوية و على رأسها صورة الإرهابي الإسلامي ذو اللحية الطويلة و العيون الحقودة ، حاملا سيفه الملطّخ بدماء الأبرياء .
 بقيت هذه الصّورة أكثر كوابيسنا رعبا إلى أن هلّت علينا الثورة بريحها و خرج النّاس إلى الشوارع واقفين جنبا إلى جنب رغم كل الخلافات . اكتشفنا بمحض الصدفة أن هذا الغول لا وجود له سوى في خيالاتنا المنوّمة أو هي بالأساس صورة مصطنعة يحركها النظام كلّما أحس  بالخطر حتى يضفي بعض الشرعيّة على القمع . المهم أنه مع سقوط بن علي تحرر الجميع و على رأسهم الإسلاميون و قد كانت الفترة الأولى ما قبل الانتخابات فرصة لنعيد اكتشافهم من جديد و نستنتج أنّهم أناس عاديون ، ليسوا شياطينا كما صورهم النظام و لا هم ملائكة رحمة كما يريد تصويرهم البعض الآخر . شاركوا في الإنتخابات كباقي القوى طبقا لقواعد اللعبة السياسية التونسيّة ، بكل ما فيها من قذارة خلّفتها الأزمنة الغابرة. استغلوا هامش الحرّية ، الإمكانيّات المادية المهولة ، ضعف المنظومة القانونيّة و جهل التونسيين "بالتكمبيسات" السياسيّة ليفوزوا بانتخابات شبه ديمقراطيّة .
 الى هذا الحد كان المنطق سيّد الأحداث و لم يكن فوزهم مفاجأة : تعاطف الناس ، العقد التي خلفها بن علي من خلال قمعهم و لعبهم على وتر الدين و الهويّة  بالإضافة إلى قدرتهم على التأقلم مع لعبة السياسية القذرة في ضل الدعم المالي الرهيب الذي حضوا به من عديد الدوائر الداخليّة و الخارجيّة التي راهنت عليهم  ، كل هذا مكنهم من الوصول إلى السلطة بسلاسة و دون منافسة تذكر خصوصا في ضل تشتت المنافسين من القوى اليساريّة و الديمقراطيّة بصفة عامة .
الآن مرّت أكثر من سنة على هذه الانتخابات لنجد أنفسنا مصدومين  بواقع لم يتغير منه شيء و للأسف لا نرى بوادر تغيير في الأفق . سياسة الرعب والتخوين  لازالت حجر الاساس في سياسة الحكّام الجدد . و بشكل مبتذل نجد أنفسنا أما نفس الصورة الكلاسيكيّة لخطر الإرهاب الإسلامي و لكن بعناوين جديدة وهي الخطر السلفي و رابطات حماية الثورة أو رابطات حماية النهضة في رواية أخرى . سياسة التخوين و التشويه للمنافسين مازالت متواصلة و تستهدف نفس الوجوه منذ زمن برقيبة و بن علي ، و تلصق إليهم نفس التهم ، إذا لا شيء جديد ليذكر . نعرج على السياسة التنموية و التنظيم الاقتصادي ، سنجدهم يسيرون على نفس المنوال بل ويتبجحون بتدشين مشاريع كان قد تم إقرارها و إنجازها منذ العهد البائد أما على المستوى الإداري و  طريقة التعامل مع أجهزة الدولة فهي نفسها  و هذا ما نرصده من خلال محاولات الهيمنة عليها مع تسجيل بعض الإرتباك نظرا لنقص الخبرة و الحرفيّة . بالتالي كل أهداف الثورة و كل مشاريع الإصلاح التي كان يطمح لها الشعب ركنت على الرّف تحت تعلّة صعوبة المرحلة الانتقالية و ابتداع المؤامرات الداخليّة منها و الخارجية حتى يبقى الحال على ما هو عليه و يتسنى للحكّام الجدد تثبيت أنفسه في الكرسي  .
يعني في الخلاصة ما قمنا به لا يتعدّى نزع" البيكيني" الأوروبي الذي كان يفضح عورة النظام السابق  المشوهة و سترها بجلباب افغاني أمركي الصنع و التصميم، قطري المساهمة و الترويج ، و في النهاية مالم يفعله التجمّع سيفعله غيره تتعدد الأسماء و السياسة واحدة .

مع تحيّات صفوان الطرابلسي