jeudi 22 août 2013

مسلم قصد الله ، جريح الثورة ، نزيل مستشفى الرّازي

 الوردانين ، ليلة 15 جانفي 2011 ، سرت الإشاعات عن محاولة تهريب قيس بن علي . لجان الأحياء منتشرة على الأرض ، من مجموعة إلي أخرى تناقل الشباب الخبر ، استعدّوا للمواجهة و القبض على المجرم الهارب. سرب من السيّارات رفض الوقوف للجنة التفتيش ، طاردوهم ، حاصروهم ، أطبقوا عليها الخناق فانطلق الرّصاص يمزّق الحصار و يترك في أجساد الرّجال و قلوبهم جروحا لن تندمل مهمى طال الزمن. أربعة شهداء و عدد من الجرحى، منهم مسلم قصد الله، نزيل مستشفى الرّازي اليوم . رصاص و دم و غبار هذا ما يذكر من تلك الليلة ، سقط الشهداء و بقي هو شاهدا على المأساة. ملف القضيّة أقفل ، ضاع الحق و ضاع معه الأمل في ثورة تنصف الأبطال ، تخلّد أسماءهم و تسرد التاريخ بأمانة. بعد أكثر من سنتين من المعانات الجسدية في صراع مرير مع الدّوائر الصّحية، تمكّن مسلم من الإنتصار على سياسة الإهمال الممنهج و الهرسلة التي تعرّض لها و رفاقه في قطر. عاد إلى الوطن ، صمد و ضفر في النهاية بسفرة إلى فرنسا حيث قام بتركيب ساق اسطناعيّة. ظن أن المعنات  ستتوقف هنا ، لكن الإهمال جعله يعود إلى غرفة العمليّات من جديد ،  هذه المرّة تجاوزة الندوب و الآلام خلايا الجسد المنهك. لقد تعب القلب يا صديقي ، احترق العقل ، تعذيب غير مباشر ، اهمال متعمّد ، استفزاز مقصود. أصوات الجرحى و عائلات الشهداء دعاية سديدة للإنتخابات ، لذلك وجب ترغيبهم و ترهيبهم ان لزم الأمر ، ان لم يكونوا معنا فهم علينا و لهذا خلقت وزارة سمير ديلو و لجنة يامينة الزغلامي.
لم تكفي كل هذه المهازل و هاهم اليوم يتّهمونه بالجنون ، لقد أنهك الجسد و وجب تدمير العقل و المهجة ، تحوّل من القصّاب إلى الرّازي و هناك ستكون التصفية النفسيّة. رويدا رويدا يسير الفتى نحو الهلاك ، محاولة إنتحار ثانية ، شفرة حادة تخترق شرايين البطن و تقطع المعصمين ،  رائحة الدم ، هذه المرّة لم يحمل القاتل مسدّسا ، لم يسمع صوت الرّصاص و لم يرتدي بدلة عسكريّة ، هذه المرّة كان سلاحه النسيان ، تواطؤ المجتمع ، العزلة في غرفة باردة ، إلهاء الشعوب في مهاترات سياسيّة عقيمة و مجحفة ، الفقر ، الوحدة ، الثورة المغدورة ، الموت المتربّص في كل ركن ، تهمة الجنون المتكررة دون سبب منطقي ، حب الوطن المرضي ، آلام الجسد و المسكنات المدمّرة.
محاولة الإنتحار الثانية تطلق جرس الإنذار ، قد تكون ذاكرة الشعوب قصيرة المدى ، لكن ليس إلى هذا الحد ، لقد وصلنا إلى الدرك ، مسلم قصد الله لم يسلّم رغم آلامه ، حاول الإنتحار لكنه يجتهد في كل ليلة كي يطرد عنه فكرة الموت المؤجل ، يبحث عن قشّة للنجات . على الأقل ، لنتحلّى بقليل من الشرف و لنهبه و رفاقه بعض الأمل ، ستفي زيارة بالغرض ، هديّة ، قبلة ، نصف ساعة من الحديث عن ذكريات الزمن الجميل و عن الثورة و عن الأمل...

 صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة 
في  22/08/2013


dimanche 18 août 2013

على هامش المشهد الإعلامي

أنّو يكون عندك تلافز و إذاعات و جرايد ما يعنيش أنو عندك اعلام و صحافة. الصحافة في العالم العربي كذبة. احترام الرّأي و الرّأي الآخر و المضوعيّة هي خزعبلات مختلقة ما تسمعها كان عدنا، يعني الصّحافي مش بالضرورة يكون محايد ، الصحافي من واجبو ينقل الحقيقة لكن من حقّو يعلّق علاها كيما يحب انطلاقا من وجهة نظرو الخاصة ، يعني الموضوعيّة هذي سراب و مثمّاش صحافي في العالم محايد لأن أي تحليل أو راي سيكون في صالح طرف معيّن ، طبقة معينة  ، جهة معينة خصوصا في صراعات جوهريّة كيما إلي نعيشوها اليوم . لكن الإشكال بالنسبة لينا كا عرب متخلفين ، ننتميو للعالم العشر ، مش في الموضوعيّة ، انما في تزوير او خلّينا نقولو اختلاق الحقائق ، لهنا منلقاوش حقيقة وحدة مع اختلاف زاوية التحليل ، لهنا نلقاو حقائق مختلفة.  تحط السي . بي . سي  أو الأون . تي . في يقلّك الشرطة المصريّة فضّت الإعتصام بحرفيّة مع ديباجة طحين أزرق للجيش المصري البطل و الديمقراطي ، عدد الضحايا لم يتجاوز الخمسين واحد منهم ثلاثين بوليس . حل الجزيرة ، الزيتونة ، المتوسّط ، الحرّة  تحس روحك في الحرب الأهليّة الرّوندية ، ضحايا بالآلاف و قتلى بالمآت ، قنّاصة ، حرق ، تنكيل ، الجيش المصري سليل الجينات الهتلريّة الفاشيّة ، طبعا مع بكائيّة طويلة عريضة . بالتالي كل واحد ينجم يختار الحقيقة الي تناسبو ، الحقيقة الي تتماشى مع ميولاتو ، الحقيقة إلي ترضيلو ضميرو و تخدم أهدافو ، أختار حقيقتك قبل ما تشاهدها ، حقيقة حسب الطلب
أما بالنسبة للوضع المصري الحالي ، فا كل شيء واضح فيه كان الحقيقة ، الناس الكل تحشي فيه و الحرب الأهليّة تطبخ على نار هادية ، المهم في العجّة كلها أنو إلي تشرحو في السّاحات ما كان فاهم حتّى قيادي اخواني أو عسكري من الصف الأول أو الثاني أو الثالث و لا حتّى العاشر ، زوّالي يفشّخ في زوّلي ، قواعد تسيّل في دمها باش تقدمو قياداتها خمرة رفيعة للضيافة على طاولة المفاوظات، فيما بعد تنتهي الأزمة على فشوش بوساطة أمريكية و مباركة روسيّة ، تتقسم القسمة تحت الطّاولة و عاد فرحا مسرورا . بالتالي أحسن موقف أنك تبول علاهم الكل ، لأنو كيما قال مظفر : هذا زمان البول فوق المناضد والبرلمانات والوزراء. أبول عليهم بدون حياء. فقد حاربونا بدون حياء.

صفوان الطرابلسي

mardi 13 août 2013

سطور على الهامش


كيما مظفّر يقوم كل يوم مفجوع من عز النوم على صوت الكرتوش و ريحت الدم ، يعيط و يصيح منغير صوت ، يخرج أنين الروح موّال عربي مكبوت على مقام عراقي حزين " ابكيك بلاد الذبح. كحانوت تعرض فيه ثياب الموتى."
  الرصاصة و صوت الرّافال ، الشلاغم و الرجوليّة ، اللون الأحمر و بوسة الخالة توحدت معانيها في مخيلتو و تربطت في ذاكرتو بسنين حكم النهضة و ترويكتها. السنين الي تعودنا فاها قصّان الماء و الضوء ، السنين الي رجعت فيها الكوليرا و الملاريا و الجرب و الكرب و الذبح الشرعي للبشر كالبقر على منهج السلف الصّالح.
الأحداث تتسارع بيه و هو كيما هو من أول الثورة، يخرج الصباح يمشي لبيروه و يبدا يسقصي في الأخبار بالتاليفون و الجارايد و التلفزة و الفايسبوك ، يقص و يلصّق ، يحرر و يكرر و في اوقات الفراغ يبدى يحسب : قدّاش من اضراب ، فدّاش من اعتصام ، قدّاش من وقفة احتجاجية فضّوها بهمجيّة ، قدّاش من اغتيال مباش و غير مباشر ، قدّاش من شهيد حقو ضاع و تنسى ، قدّاش من جريح انتحر أو حاول الانتحار ، قدّاش من واحد تغنى بصفقة في "النوار"، قدّاش من أزمة سياسية ، قدّاش من شخص دخلو و خرجو في اعتصام بارد و القصبة ، قدّاش من خيمة ، شكون الي خلص على كل ليلة و شكون الي رقد على السطاك لين جنابو تهرات و ما جاتوش شربة ماء ، شكون إلي يرفع الشعارات و شكون الي يرسم و يخطط و شكون إلي يمول و شكون إلي يأمر و ينهي و على السلطة معوّل .
 يكتب هوامش في كنّش صغير على جنب ، هكّا تعلم إذا كان تحب تقرى التاريخ الصحيح تبع الهوامش الجانبية و ريحة الدم ، المهم أنو الشيء الي يكتبو كل نهار عمرو ما استعملو ، يقارن بين السطور القصيرة على الورقة المنسيّة و العناوين الكبيرة في "ماكيت" الجريدة ، شيء ما يشبه لشيء وقتها يمارس هوايتو الثانية و على كنش آخر يبدى يستنبط  تعاريف جديدة للمفاهيم و الكلمات القديمة ، اليوم ركبتلو على "السياسة و الصراحة" .
 السياسية ببساطة "هي فن تنغيص حياة الشعوب" و الصراحة في عرف السياسييين هي "حقيقة متلحفة بسفساري الباطل" ، حمرة كحلة ، يعني نصف حقيقة و معروف أنو أنصاف الحقائق أنذل من الكذبة لكن تجيب أكثر فلوس في سوق السمسارة.  و على هذا كان يكتفي بالكنش الصغير و منغير نزويق لغوي يكتب " عدنا ثلاث سنين نجترو في الكذب ، العركة الصحيحة عركت سلطة  بين الدساترة و الخوانجية ، لولانين قوتهم في تفككهم ، استغلوه استراتيجيا ، مقسمين على ثلاث أجزاء و تزرعو كالسرطان في الحيات السياسية الجديدة ، جزء في النهضة يركح الإسلاميين ، جزء في النداء مركح اليسار اللبرالي و جزء قعد وفي لجذورو.  الدساترة عارفين مليح أنو الجميع في حاجة ليهم لأن مكينة الدولة تصنعت على إيديهم و حتى حد من الأطراف السياسية ما في مصلحتو يبدل قلب السيستام . أما الثانين ، فقوتهم في توحد صفهم ، إلتزامهم العقائدي القوي ، تغلغل جناحهم العسكري في الدولة و ولاءهم الأعمي لآية الله لكن مهما صار الطرفين باش يخرجو رابحين لأنهم في الحقيقة يمثلو توجه واحد . الخاسر طبعا هي الجبهة الشعبية نظرا لضعف شبكات علاقاتها الداخلية و الخارجية الشيء الي ما يمكنهاش أنها تلقط اللحظة و تلعب  على موازين القوى . أما الضحية ،فهم الشباب الثوري و الشعب التونسي ، أولاد الجهات البطالة و المحرومين ، الناس الي ما نابها مالثورة كان الكرتوش و الميزيريا ."
لخّص أفكارو باقتضاب بالكشي يجي نهار و الحقيقة يولي عندها قيمة و معنى ، يستهلك الوقت لين تجي ساعة المرواح ، يلم روحو المبعثرة فوق الطاولة بين الأوراق و ضباب الدّخا و يخرج ، يتعدى للقهوة ولا البار ، يزيد يجتر أفكارو المتعفنة مع أصحاب الليل و يروح للدار شطر سكران ، يتعشى منغير شاهية ، يرقد مع مرتو منغير شاهية و الصباح يهبط للبيرو يجري كالعادة باش يكتب هوامش جديدة و يفرغ خنّار جديد...

صفوان الطرابلسي

samedi 6 juillet 2013

بطّــــال مترسّم


أنهى جولته المعتادة، صفر اليدين كالعادة مع بعض الوعود العابرة، توجه إلى المحطّة ، المراقبون يملئون المكان و لا يريد الّدخول في جدال عقيم ، رغم أوضاعه الصّعبة يجدّ في الحفاظ على مظهره و احترام الناس له، فهؤلاء الفتية الذين يركبون رفقته الحافلة  قد يكونون في المستقبل القريب تلاميذه و هناك من كانوا فعلا تلاميذه لأشهر أو أسابيع . الحافلة لن تنطلق قبل ربع ساعة، بحث عن كشك ليقتني بعض السجائر لكنّه سرعان ما تراجع عن الفكرة، لم يبقى في جيبه سوى الدينارين الذين تركتهم والدته قبل ذهابها إلى العمل، الخالة جليلة، حنونة و ساذجة كباقي الأمّهات في حيّهم. يبدو أنه سيعود إلى " التمرميد " في حظائر البناء عن قريب، لن يقبل أن يعيش من عرق أمه التي جاوزت الستّين و مازالت إلى اليوم عاملة نظافة في المعهد، تذكّر السنة الدراسيّة الماضية عندما أعلمته أن استاذ عربية تمتع براحة طويلة المدى و أنها ترجت المدير حتى يقبله كمعوّض، خرج ذلك الصباح منشرح الأسارير لكنه سرعان ما حوّل وجهته ، افكاره السّلبيّة عكّرت مزاجه فجأة. ماذا سينادونه؟ السيّد حسام أستاذ اللغة العربيّة أم ذلك المعوّض إبن الخالة جليلة عاملة النظافة، اجتاحته ذكريات صباه، كان يدرس في المعهد الملعون، " ولد جليلة الفام دو ميناج ". تذكّر أول ايّامه حين دخل المرحاض فواجهها ، تلك اللحظة التي بدأ فيها صراعه الأزلي مع الألم. تذكر صراخ المدير في وجهها حين تهمل العمل و كانت أمقت ذكرياته تلك الحادثة المقززة حين تشكى أحد أساتذته من قذارة القسم فدعاها المدير إلى إعادة تنظيفه بينما لم ينتبه أحد لوجوده بين التلاميذ في الصّف، كان يجلس في آخر القسم، غاص في مقعده و أحس برغبة في التقيّئ، لا من الخجل بل من الحقد و مرارته، تمنّى لو أنّه يملك القدرة لمحقهم ، الأساذ ، المدير و كل التلاميذ ، كل شاهد على ذلّه ، لكنّه يدرك جيّدا ضعفه. قرر الهرب ، صار يتغيّب عن حصص الدرس ، تعلّم التّدخين و "  التكلفير " خلف سور المعهد ، بدأت تتكاثر مشاحناته مع زملائه و الأساتذة حتّى قرروا طرده نهائيا لو لا توسلات أمه التي طلبت نقله إلى معهد آخر بمركز الولاية .
 تمكّن من تجاوز فترة المراهقة بأخف الأضرار و ربّما مثّلت تلك العقد حافزا للمثابرة و النجاح رغم قدراته المتواضعة لكن الرّغبة في تغيير وضعهم المادي تركت داخل قلبه جرحا لا يندمل مهما طال الزمن و هذا الجرح مازال يتعمّق و ينزف كلما طالع عجزه المتواصل و خيبته التي لا تنتهي ، كل أمنياته صارت تتلخص في لقمة عيش كريمة تحميه و أهله من الذّل و الهوان ، المثل يقول " خدمة النهار ما فاها عار " لكنه لم يعد يؤمن بهذه الخزعبلات ، قسوة الحياة سلبته كل إيمانه بالمثاليّات و لم يعد له ثقة في المستقبل، الخيبة المستمرّة قتلت أحلامه و أغرقته في مستنقع الواقع ، لم يعد يطالب بشيء سوى لقمة عيش كريمة و قارّة " مسمار في حيط " ، تريحه من عذاب التشتت و الفقر . عاد إلى البيت منهكا ، لم يعد الأهل من العمل بعد ، فتح التلفاز علّه يجد ما يسلّيه قليلا 

صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة 
2013/07/05

vendredi 21 juin 2013

الله أكبر على قلّة الفهم

كثر الجدل حول مسودّة الدستور و جنودنا الأشاوس يقتفون في جبل الشعانبي آثار الغول. طال الحديث حول حرّية الضمير و الهويّة الضّائعة بين لحية السّلفي و نهدي أمينة. احتدّ النقاش حول تاريخ الانتخابات و رابطات حماية الثورة فقرر الرئيس التحرّك في الوقت الحاسم ليجمع جميع الأطراف المبتورة على طاولت الحوار خوفا من الدّمار معرّجا على رأي جهابذة السياسة الدّوليّة في تحليل الأزمة السّوريّة و تأثيرها على مجرى الاحتجاجات التركيّة و العلاقات الأمريكيّة الرّوسيّة...
مشهد مبتذل و قذر تطول فيه النقاشات البيزنطيّة ، يتزايد فيه الثوريّون المثقوبون دون أن يملك أحدهم الشجاعة و الرّجولة الكافية للخروج عن حدود الدائرة المفرغة للجدل العقيم التي رسمها النظام بدماء شهداء الوطن.
الأمر في غاية البساطة ، لا تغريكم التعريفات المعقّدة و النظريّات المفبركة ، الأمر جلي كنور الشمس لو لا عمى الألوان الذي أصابنا. سياسة التشتيت و الإلهاء ، سياسة الرعب و الإرهاب و الغباء ، سياسة التّهميش و التفقير ،قضيّة الشعب الأساسيّة التي تتلخّص في أهداف ثورته " كرامة ، حرّية ، عدالة إجتماعيّة " تم اغتيالها و اغتصاب ما تبقّى من أمل الشعب المضطهد . ماتت الثورة بعد صراع طويل ، قتلها العدو بيد ابنائها ، جهلهم صوّر لهم أنها ليلة للاحتفال تنجلي مع مرور الهجيع لكنها في الحقيقة عقليّة و مسار طويل ، سذاجتهم أوهمتهم أنها لمسة سحريّة تغسل الذّنوب و تنشر الأخوّة بين الفارس و التنين ، بين الذئب و الرّاعي الحزين ، سلّموها عن حسن نيّة هديّة لسماسرة الأرض المتخفّين في بذلة السياسيين و الحقوقيين. الاحتضار يطول لكنها قبل الرّحيل أقسمت بألف يمين أن تأكل أبناءها لا كرها أو انتقاما من صنيعهم بل حبا و شفقة من بذاءة المشهد الأخير ، حين تنصب المشانق في ساحات الحرّية و ينزل حد المقصلة ليعلن عن نهاية المسرحيّة. لقد أسدل الستار و تمخّضت المهزلة عن مأساة ، هذه هي سنّة التاريخ. فتحي الجلايلي وقف يوم الاثنين وحيدا في جلسة الاستئناف الأخيرة ، خذله المحامون و لم يحضر الحقوقيّون المزيّفون و الإعلام المحايد ، هذا طبيعي، شاب فقيرا يقطن في حي شعبي تعيس ، قضيّته لم تنل التغطية الإعلاميّة الكافية كي تصير حديث الرّأي العام و ملفا مغريا للمزايدة. صابر المرايحي يعاني أيضا ويلات المرض وحيدا بعد أن قضّى أكثر من سنة في سجون النظام القذرة ، تقرّحات جلده الملتهبة ، المخضّبة بالقيح و الدماء ليست سوى صورة لضمائرنا الميتة و المتعفّنة. جهاد مبروك الجريح الحاضر في كل التحرّكات الشعبيّة منذ الثورة ، في حالة فرار بعد أن حكم عليه بشهر سجن مع النفاذ بتهمة التهرّب من الخدمة العسكريّة و جميعنا يعرف ماذا يعني السجن في حالة جهاد ، إنها التصفية ، قد تبدو كلمة مرعبة لكنّها الحقيقة و هي سياسة ممنهجة فجرحى الثورة مسلم قصد الله ، خالد بن نجمة ، شكري الرياحي ، حلمي الخضراوي ، زياد قراوي ، يسري الزرلي و حاتم هلالي يدخلون منذ حوالي الأسبوعين في إضراب رغم حالتهم الصّحيّة المزرية جرّاء الإهمال المتعمد . لا يتوقّف المد الانتقامي عند هذا الحد ليعود التضييق على المدوّنين : قضية مدوني قصور الساف و المدون الآخر المسجون على خلفية تهمة التعدي على الذات الإلهية و المدون حكيم الغانمي و تهمته التعدّي على الذات العسكريّة ، كل الذوات مقدّسة في هذا الوطن إلا الذات البشريّة . لن ننسى ملفّات شباب الثورة في أجيم بجربة و قرقنة و منزل شاكر و غيرها مما خفي عن الأعين فهؤلاء الشباب المهمّشون لا تصلهم عدسات الفضائيّات إلا اذا وهبوا أنفسهم في سوق المزايدة أو افسحوا المجال للمتاجرة بآلامهم في برامج البكائيّات كل ليلة جمعة .
يبدو أن النهاية قد أزفت ، لكنها حتما بداية مرحلة جديدة من النضال لأن اليأس في عرف الثوريين خيانة ، نحن في حاجة إلى جيفارى جديد يعيد الأمل ، ثوري حقيقي يؤمن بقدرة الشعوب على التغيير ، يعرف معنى الألم ، يتحمّله بلذّة صوفي و يصمد بايمانه العميق أمام مشهد الدم النازف مرددا في سرّه كلمات الحلاج الخالدة عند صلبه "ركعتان فى العشق لا يصح وضوءهما إلا بالدم". ركعتان في عشق الله و الوطن لا تنتظران معجزة ، بل إرادة شعب ، عصر المعجزات ولا و انتهى ، من ينتظر قيام المسيح سيموت على أسوار رومى محترقا ، " فالمحررون لا وجود لهم الشعوب وحدها هي من تحرر نفسها ". و الثأر النائم في الصّدور الحاقدة كفيل بأن يوقظ المارد المدفون ، ذلك الثائر المنشود المتخفّي في وداعة كل قلب حي ، حين يقف أمام الدهر كتلميذ يعلّمه كيف يقرأ التاريخ وفق القواعد الصّحيحة و ينشد كلمات النّوّاب في ترنّم مأتمي " علمني الدفن أن أمسح الطين عن أصدقائي/ وعلمني الدفن أن يكون من الأنهر الأبدية مائي / وعلمني أن أعشق الرحم الأزلية للأرض/ وان تكون امرأتي حين تكفر كل النساء "
هكذا قال الشاعر و هكذا يعلّمنا الدهر أن الخلاص في السير على فانوس العدل و الاستمساك بالقبس الهزيل حتّى النهاية ، فمن يترك رسن خيله في يد السمسار يجنح به إلى وادي الهلاك حيث القفار و الجفاف، لن نبحر سوى على نهر الشعب الأزلي ، مجهد من طول العطاء لكّنه ابدي لا ينضب له نبع .

samedi 8 juin 2013

خطــــــــــــــر

منذ أسابيع و نحن نعيش على وقع التّهديدات الإرهابيّة ( أحداث الشّعانبي و مؤتمر أنصار الشريعة بالقروان... ) و الصّراعات الهامشيّة المتعلّقة بالهويّة ( الصّراع بين الوهابيين و الزواتنه ، أمينة فامن و رفيقاتها في واقعة باب بنات... ) و هذا ليس بالأمر الغريب فمن يعاين المشهد السياسي الوطني و الإقليمي لابد أن يلاحظ اللّمسة الحرفيّة للمخابرات الغربيّة و الرّائحة العفنة للبترول الخليجي ، و الهدف واضح و جلي ، تحويل وجهة المسار الثوري و تمهيد الطريق لحكّامنا الجدد للمرور من المرحلة المؤقتة إلى المرحلة المؤبدة . لكن تنفيذ هذه الخطّة سيتطلّب تمويه ، تغطية و تشتيت للوعي الشعبي لذلك يبدو الوقت مناسب لصعود بعبع الإرهاب إلى الواجهة و إثارة أزمة هويّة عملا بالوصيّة الهتلريّة القائلة أن السّيطرة على الشّعوب تمر عبر إرهابهم و إيهامهم أنهم معرّضون للخطر في كل لحظة . و لمزيد الفهم دعونا نبحث عن المستفيد أو المستفيدين من كل هذه الخزعبلات و لنبدأ بحركة النهضة التي تسعى في هذه المرحلة إلى تمرير مجموعة من المشاريع منها تطبيق سياسات التقشّف المجحفة المنصوص عليها في إطار صفقة قرض البنك الدولي ، تفعيل قانون التّعويضات الذي سيكون داعما ماديا و سياسيا كبيرا في الانتخابات القادمة كما استغلّت الفرصة لتتراجع عن التزاماتها التي تعهّدت بها خلال الحوار الوطني الذي قام تحت قبّة الإتحاد في ما يخص الدستور مع مواصلة التغلغل داخل مفاصل الدولة. المستفيد الثاني ، هو المؤسسة الأمنيّة و المافيا التي أعادت التمركز داخلها بعد القسمة الجديدة ، حيث أعاد لها التهديد الإرهابي و أحداث القيروان و حي التضامن نوع من الهيبة الاعتبارية و الشرعيّة الرمزيّة لقمع الحركات الاحتجاجية كما مهد لهم الطريق لتقديم مشروع قانون مخزي اقل ما يقال عنه أنّه جائر ، خانق للحرّيات و مؤسس دولة بوليسيّة قمعيّة اسوء من سابقتها ، يرفع عون الأمن إلى مصاف المقدّسات أو ربّما أعلى من المقدّسات . المستفيد الثالث و هم السلفيّون إذ تمكّنوا من العودة للعب دورهم المفضّل " الضّحية " و هذا سيجلب لهم المزيد من التعاطف الشعبي يضاف إلى رصيدهم المستقبلي الذي سيمكنهم من طرح أنفسهم كبديل إسلامي جديد في حال فشل النهضة كما سيفتح لهم هذا التعاطف الابواب لمزيد التغلغل داخل الأوساط الشّعبيّة و استغلال العقد العاطفيّة لشعوب تسير دائما ضد مصلحتها مظللة بحلم الهويّة الضّائعة و مجد الزمان الغابر . المستفيد الرّابع ، هي القوى اليساريّة الانتهازية التي قررت الإستكانة و الرّضا بالظهور الإعلامي الدّائم و فتات الكعكة المتبقّي على طاولة القسمة بما أنها لا تحظى بأي دعم خارجي و ليس لديها الجرأة على اقتحام الأوساط الشعبيّة و تكوين نواة ثوريّة تقدّميّة . أما الخاسر الأكبر و الوحيد هنا فهو الشعب التونسي ، هم الفقراء و المهشمون و شباب الثورة الذين يحاكمون كل يوم في مختلف الولايات ، فصابر المرايحي إبن الكبّاريّة رغم الإفراج المشروط مازال يواجه تهمة تصل عقوبتها إلى خمسة و عشرين سنة سجنا و هو رهينة عديد التجاذبات ، فتحي الجلايلي إبن المونفلوري يقضي حكما بعشر سنوات ، قيس صبّارة إبن السابعة عشر ربيعا اصيل ولاية قفصة ، تلميذ يواجه حكما يصل إلى خمس سنوات و غيرهم من ابناء أجيم في جربة و شباب منّوبة و قرقنة و لن ننسى طبعا جهاد مبروك إبن الشّابة و جريح الثورة الذي حكم عليه في بداية هذه السنة بأربعة أشهر سجن و خطيّة ماليّة في إطار قضيّة كيدية و هو اليوم يواجه حكم بشهر سجن بتعلّة التهرّب من أداء الواجب الوطني رغم ما هو معروف عن خطورة حالته الصحيّة و الإهمال الطّبي الذي يعانيه . كل هذا و أكثر يبيّن الطابع الممنهج للعماليات الإنتقاميّة التي تستهدف الشباب الثوري و خصوصا عندما نعلم أن معظم هذه الشّكايات تتقدم بها جهات أمنيّة أو أطراف محلّية محسوبة على النظام السّابق و تستهدف شباب الأحياء الشعبيّة ممن تتجاهلهم عدسات المحطّات الفضائيّة . في النّهاية على الشعب التونسي أن يعي أن من يقايض حرّيته بالأمن يخسر في آخر المطاف الاثنين ، كما أن هروب رأس النظام لا يعني سقوطه فعلى المسار الثوري أن يستمر حتى تحقيق أهدافه التي استشهد من أجلها أبناء هذه الأرض فلا مناص عن تحقيق أهداف الثورة : الكرامة ، الحرّية و العدالة الإجتماعيّة .

صفوان الطرابلسي
نشر بجريدة ضد السلطة
8 جوان 2013