vendredi 10 mai 2013

تحت السّور

كان يجلس في ذهول ، تلهيه هالة الأضواء و الأجواء الغريبة لقاعة التّصوير عن ما يدور من حديث داخل " الأستوديو " . نظراته المبهمة ، الهائمة مثّلت أبلغ تعبير عن سذاجة الطّفولة المقهورة . استهوته آلات التّصوير الكثيرة و أشكالها المتنوّعة الغريبة ، أبهرته فخامة الأثاث، تمنّى لو كان لهم في البيت أريكة مريحة كالتي يجلس عليها الآن ، كان سيتسنّى لوالدته النّوم في راحة ، دون أن تنغّص ليلتها آلام الظّهر اللّعينة. تسرقه أحلام اليقظة ، تأخذه في رحلة لذيذة ، يتخيّل هذا المكان ملكا له ، يتخيّل نفسه و قد صار رجلا بشاربين كثّين  ، جالسا خلف هذه الآلات الخرافيّة يحركها و يكلّم من حين لآخر سيّدة جميلة كالتي تجلس أمامه الآن . تطير به الأحلام ، ينسى خجله لدقائق لكن لغط الجمهور يأتي من حين لآخر فيوقظه  ليعيده إلى واقعه المرير ، يحاول أن يسأل أمه عن سبب قدومه إلى هذا المكان ، لكنها تنتهره بلطف ، تسكته بوخزة صغيرة هامسة في أذنه " تأدّب يا بنّي ، الناس يشاهدوننا ، كن عاقلا ...  " . هي أيضا يحتلّها الخجل ، ماذا ستجيبه إن أصر على سؤاله ، جئنا هنا لنتسوّل ، نفضح آلامنا أمام آلاف البشر على المباشر ، ترى هل سيغفر لها حين يكبر؟ هل سيتفهّم معاناتها ؟ تهاجمها اسئلة بغيضة لكنها مع ذلك تخفي حرجها و تواصل حوارها الثقيل مع المذيعة بينما طفلها يغوص في أحلامه ، محاولا لجم فضوله و الإكتفاء بإمتاع نظره . فجأة تضع أمّه المصدح بين يديه و تباغته السيّدة الأنيقة بسؤال غريب لم يعتد سماعه " أحمد ... قل لي ماذا تريد ، ما الذي ينقصك ..." ، السؤال مفاجئ ، غريب أمر هذه السّيدة ، تفحّصها بنظرة سريعة ، أنيقة و جميلة ، جذبه لمعان السّاعة في معصمها و بشرتها البيضاء السّاحرة .ظل صامتا لبرهة لكنّها ألحّت عليه " أحمد تكّلم ، لا تخجل ، ما الذي تريده ، ما هي الأشياء اللتي تحبّها ؟ " . " ماذا تريد ، ماذا تحب ، ما الذي ينقصك ؟ "  هو يريد أشياء كثيرة ، تنقصه أشياء كثيرة ، ترى هل يستسمحها اللّعب بتلك الآلات الغريبة ، هل يطلب منها أخذ الأريكة كي يخفف من ألم والدته ، هل يصارحها بأنّه يريد تقبيلها و يشتهي أن يملك في يوم من الأيّام ساعة لامعة مثل ساعتها  ... إنساب مع سيل أمانيه المكتومة لكنّ خاطرا ثقيلا نغّص تفكيره البريء ، تذكّر كلمات معلّم الرّياضة حين نهره و منعه من اللّعب في حصّته نظرا لأنه لا يملك حذاءا رياضيا ، تذكّر نظرات الشفقة في عيون زميلاته و عبارات السّخرية التي نبس بها الصبية و هم يشيرون إليه و يغيظونه ، تذكّر الوقوف المهين تحت سور الملعب ، حابسا دمعه ، كاظما حقده مصطنعا عدم المبالاة أمام أصدقائه . غالبته الأحاسيس و دون أن يشعر تنهّد ناطقا عبارته اليتيمة بحرقة ""   "أريد حذاءا رياضيا "  كلماته خرجت كالرّصاصة لتخترق قلوب كل من شاهدوه ، سكت الجميع و نزل على الحاضرين صمت مريع إذ لم يتمالك الطفل نفسه و أجهش بالبكاء ، إنّه الصمت المقدّس في حضرة الألم الأزليّ للبشر المضطهدين . ضمته الأم بين ذراعيها محاولة مواساته و مسح دموعه المنهمرة ، لكنّها لم تتمالك هي الأخرى نفسها ، كان إحساس الذنب ينهشها ، ما الذي أتى بها إلى هذا المكان الملعون سوى الشيطان و الفقر المهين . ارهقها كبت مشاعرها و استسلمت لبكاء مر ،  لم تكن وحدها تبكي ،  بكت المذيعة و الجمهور و لن تكون إنسانا إن لم تبكي دما عند مشاهدة هذا الفصل الدّرامي الواقعي. لكن ما فائدة دموعك أيّها السّاذج أمام هذا البؤس المقزز ، ما نفع نواحك ما دمت ستجد ألف تعليل لركودك حين تخلد إلى نفسك ، بكاؤك مجرّد ترويح عن النفس يسكت إحساسك بالذّنب و بالمسؤوليّة تجاه هؤلاء المعذّبين على الأرض. لن تتحمّل المشهد ، لا عليك حاول الهروب و غير القناة لكن بذاءة الواقع ستلاحقك ، نشرة الأخبار ينضح منها العار ، نوّاب المجلس التأسيسي يسعون لتمرير منحة جديدة ، صراع ديكة تحت قبّة مجلس الشّعب ، من سينال شرف سرقة الشّعب ، شتائم و مشادات و ترّهات ، شريط هندي مبتذل ، هذا يريد اقتناء سيّارة و الآخر لديه إلتزامات عائليّة و ثالث لم تعد تكفيه " الشّهريّة "  و رابع يريد منحة سياحيّة و خامس يعربد لأن إيجار مكتبه ارتفع و سادس لأن" الوسكي " عن طاولته انقطع و الشعب مازال يجتر الصبر ، ينتظر يوم الفرج و الدّستور أكله الحمار و الوطن يهدده الدّمار و أحمد مازال يجلس كل اسبوع خلال حصّة الرّياضة تحت السور  لأنه لا يملك ثمن حذاء رياضي ... 

صفوان الطرابلسي 

jeudi 2 mai 2013

خرافة الديمــ(و)قراطيّة


حينما سئل "فيكتور هيجو" عن الدّيمقراطيّة ، أجاب بصراحة أن العبرة ليست في صندوق الإنتخاب ، من الجيّد أن يذهب الشّعب للتصويت لكن لا قيمة لصوته ما لم ينجح المجتمع أوّلا في إرساء قضاء مستقل و فرض صحافة حرّة و شرسة تستميت في الدّفاع عن الفئات المضطهدة و الطبقة الكادحة ضد ثالوث السّلطة الغاصب : سلطة المال ، سلطة السّلاح و سلطة الدّين . هذا المحور المرعب الطّامح لتدمير الدّولة الشعبيّة التقدميّة ، حلم الملايين و الضّامن الوحيد للكرامة البشريّة و العدالة الإجتماعيّة . و لهذا  قبل الحديث عن الدّيمقراطيّة في شكلها العام بما هي آليّات حكم و تسيير علينا أن ننظر في جوهرها الغير معلن ، النسبي إلى حد التشتت و المتغيّر عبر العصور ، و لمزيد الفهم وجب أن نطرح السؤال الأزلي ، في مصلحة من هي ؟
فهمنا الرّاهن للدّيمقراطيّة ليس سوى وهم و هلوسات ناتجة عن الإستكانة للأفكار الرّجعيّة التي فرضها نمط الحياة الإستهلاكي. و هنا نقطة تناقض جوهريّة ، إذْ بقدر التطوّر التكنلوجي الذي نشهده نعيش فترة تصحّر فكري غريبة و حتّى العلوم الإنسانيّة صارت تقتصر على دراسة الظواهر إنطلاقا من بعد نقدي بحت و ليس إنطلاقا من رغبة تغيير و ايجاد حلول جذريّة . هنا نستنتج أن الفكر اللبرالي الرّأسمالي أنتج مجتمعات محافظة تعتبر الخروج عن الحدود التي رسمها النظام خطيئة كبرى . و فهمنا للديمقراطيّة يأتي في هذا السّياق ، هي بالنسبة لنا لا تتجاوز الصّنم الذي نصوغه بأيدينا ثم نعبده اجتنابا لتأنيب ألضمير كالمجتمعات الجاهليّة .
لأننا لو تناولناها من النّاحية العمليّة  فلا وجود للديمقراطيّة في كنف نظام لبرالي رأسمالي . حين تتجمّع سلطة السلاح و المال في يد واحدة و يشرع لهما عبر النّفوذ العاطفي للدّين لا يمكن فيما بعد حماية وسائل الإنتاج و الثروات بل سينقرض الإنسان نفسه إذ يتحوّل إلى وسيلة للإنتاج ، آلة ، عبد لهذه السلطة التي تمارس هيمنتها انطلاقا من شرعيّة النّظام الدّيمقراطي الذي استبطنه الشعب . إذا ليس للديمقراطيّة معنى في ضل عجزها عن تحقيق العدالة الإجتماعيّة و ليس في مقدور منظومة إجتماعية مثل المنظومة الرّأسمالية - قائمة على إستغال السّلط الثلاث للسيطرة على وسائل الإنتاج - أن تفرز مجتمعا متوازنا حتى و لو أدخل عليها جانب من التّلطيف الدّيمقراطي على مستوى آليّات الحكم ، إذ من غير المنطقي أن نجمع بين المستغِل و المستغل داخل إطار واحد و نطمع في بناء منظومة إجتماعيّة مستقرّة .
علينا أن نقر بسذاجتنا إذا اعتبرنا أن ما نعيشه اليوم هو مسار انتقال ديمقراطي ، بل هو في أحسن الحالات بناء لنظام تمثيلي على الشّاكلة الأمريكيّة أو الأوروبيّة ، نظام تعيد  أقطاب السّلطة السّابقة التموقع داخله وفقا لقانون داخلي جديد و لآليّات جديدة متّبعة في تقسيم الغنيمة . بصريح العبارة أنظمة دكتاتوريّة تعتمد آليّات الدّيمقراطيّة لكسب الشّرعيّة الشّعبيّة و هدفها ككل الأنظمة الإستغلاليّة يتلخص في السّيطرة على ثروات الشّعوب و وسائل إنتاجها . لهذا علينا التوقّف عن اجترار الوهم و المرور الى جوهر الأفكار ، نحدد أهدافنا بوضوح : نحن نبحث عن العدالة الإجتماعيّة ، عن الكرامة البشريّة و عن حماية الإنسان من الإندثار في خضم هذه الحرب ضد السلط الثلاث الآنف ذكرها . علينا السّير إلى الهدف و تحقيقه ، الديمقراطيّة التمثيليّة ليست سوى فكرة قاصرة ، هي مجرّد آليّة عاجزة في ضل غياب الإرادة السياسيّة و الممارسة الأخلاقيّة . شعوب الأرض تستحق أكثر من هذا بكثير ، لكن على هذه الشعوب أيضا أن تعي دورها و على نخبها أن تؤدي واجبها المقدّس ، الصراع في سبيل حيازة السّلطة كأداة لتغيير الواقع منهج أثبت إفلاسه و قصوره ، من يريد تغيير الواقع عليه أن ينزل للشوارع ، للحقول ، للمدارس ، للجامعات و المصانع ، عليه أن يمر سريعا إلى مرحلة الممارسة الماديّة و أن يخرج من بوتقة الفعل الرّمزي ، يساهم في تطوير وعي الشّعب و بناء عقليّة ثوريّة ، قائمة على منظومة قيميّة جديدة أساسها مقاومة الرّداءة الفكريّة و الظلم الإجتماعي و الإبتذال المتجسّد في الكيان الخاضع للإنسان العامّي ، علينا أن نعيد بناء شخصيّة الإنسان المعاصر كي يحمل الرّاية و يقلب المعادلة و هذا البناء ينطلق من القاعدة ، من خلال تثوير الثقافة الشّعبيّة و إعادة الإعتبار للشعوب التي ستكتشف عندها قيمة نفسها ، مدى تأثير فعلها الثّوري و تدرك أن السّلطة الحقيقيّة كامنة بين يديها .

صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة
في 2013/05/02
·        


jeudi 25 avril 2013

الشعب صابر ... سيّب صابر / 2

الثامنة صباحا ، شارع باب بنات يعج بخلق الله المتعبين ، المقاهي قبالة المحكمة كخلايا النّحل في ذروة عملها المحموم ، محامون ، مدّعون ، مواطنون عاديّون ، المذنبون منهم و المظلومون ، يدخلون و يخرجون في هرج و مرج أبديّين لا يكتسب هذا الشارع روحه و لا إسمه دونهما . على الرّصيف الأمامي في الرّكن الأيسر قبالة الزّقاق الفرعي الذي يتم عبره إدخال المتهمين إلى المحكمة ، كانت عائلة صابر المرايحي و أولاد حومته ينتظرون  وصوله بفارغ الصّبر ، كل الأهالي  يرابطون قبالة هذا الزّقاق طامعين في رؤية أبناءهم و لو من خلال شبّاك سيّارة البوليس ، يبادلونهم نظرة عابرة و يشجّعونهم  ببعض الكلمات الضّائعة . سامية الأخت الكبرى لصابر كانت أكثر المجموعة نشاطا ،  يحدوها أمل حقيقي  في الإفرج عن أخيها اليوم ، كانت مشتاقة إلى أن يعود الصّفاء للبيت الصّغير و تعود الضّحكة لثغر أمها المجروحة ، كانت مشتاقة إلى رؤية الرّاحة و الطمأنينة تغزو محيّا والدها من جديد . اخذت تتنقل كالمجنونة بين عائلتها و بعض الأصدقاء المرابطين في المقهى المقابل ، الهاتف لم يتوقف على الرّنين منذ سويعات الفجر الأولى ، تردّ على المكالمات ، تتصل بالمحامين و تلقي التّصريحات  للوسائل الإعلامية القليلة التي اهتمّت بالقضيّة فمحاكمة صابر يتجلّى فيها البعد السياسيّ بامتياز ، مرآة ينعكس فيها الواقع التّعيس للثّورة التّونسيّة . صبار المرايحي مسجون منذ حوالي السّنة و النّصف بتهمة المشاركة في الثّورة ، وجهت له تهمة محاولة القتل العمد و إحراق سيّارة بعد أن أسقطت  عنه دائرة الإتّهام تهمة السّرقة . و ما هو معلوم ، أن المجني عليه أي  المتضرر في قضيّة الحال  عون أمن تم الإعتداء عليه إثر مروره  بحي مجاور لحومة صابر تزامنا مع وفات طفل صغير عمره لا يتجاوز أربعة عشر سنة برصاصة في الرّأس ، لكن الغريب في الأمر أن دائرة الإتّهام ثبتت التهمة على الشاب رغم إقرار الشهود بعدم تواجده في مكان الحادثة في ذلك الوقت بالإضافة إلى عدم وجود أي دليل مادي على الجريمة ، سوى أوصاف عامة ذكرها عون الأمن كارتداء قبّعة و نظّارة أو لون البشرة بالإضافة إلى شريط فيديو منشور على شبكة الفايسبوك بتاريخ  يوم آخر غير يوم الجريمة ، ظهر فيه صابر  المرايحي رفقة بعض الشّباب من أبناء الحي و هم يسبّون البوليس إبّان " أحداث ما يسمّى بالثورة " إذ هكذا كان يحلوا لهم دائما تسميتها في محاضر جلساتهم .
مرّ الوقت ثقيلا و حان موعد الجلسة ، توجّه الجميع إلى القاعة عدد ستّة . منع شرطي بعض الشباب من الدّخول بتعّلة  ارتدائهم قمصان كتب عليها " الحرّية لصابر المرايحي " ، حاولوا إيقاف شاب آخر كان قد ألصق على الحائط ببهو المحكمة أوراقا كتب عليها شعارات ساخرة تندد بالمحاكمة . لكن مع ذلك مرّت العمليّة بسلام و تمكّنت العائلة و بعض الأصدقاء من الدّخول رغم أن الجلسة في الأصل مغلقة . جلس الجميع في صمت قبل أن ينادى على الشّاب المتّهم ، وقف أمام القاضي ، ثابتا ، كان يعرف أن عين أمّه الدّامعة تراقبه بحنان خرافي ، كان يتخيّل أخته و هي تتخبّط في مكانها ، يحرق كبدها شوق ناريّ لكنّه مع ذلك تمالك أعصابه ، أخفى ضعفه و تشاؤمه و ترك للمحامي أن يتكلّم على لسانه معربا عن إستغرابه من غياب المجني عليه و مصرّا على براءة موكله طالبا من المحكمة قبول  إطلاق السّراح المشروط  مع  إلتزام صابر بالحضور كل ما تم  إستدعاؤه  .
رفع القاضي الجلسة ،إذ سيتم النّظر في مطلب السّراح خلال المداولة و إصدار القرار فيما بعد . خرج الجميع من القاعة تملؤهم شحنة من التّفاؤل ، القرار لن ينزل إلى الكتابة قبل الرّابعة ، عادوا الى البهو تبادلوا أطراف الحديث ، الأم و الخال مع المحامي يستفسرون عن مسار القضيّة و الشباب تجمعوا في ركن يحاولون الترويح عن أنفسهم ببعض الأحاديث الجانبيّة ، رغم أنّهم لا يعرفون بعضهم البعض الّا أن القضيّة خلقت بينهم رابطا معنويّا قويّا . فيما بعد  ذهبت الأم مع الخال الذي يقطن في حي قريب ، امّا سامية فقد انسحبت مع أصدقائها الى مقهى الشوّاشين بالمدينة العربي . كأس من الشاي السّاخن ، سيجارة و القليل من الفن العتيق قد يفي بالغرض و يخفف من حدّة التّرقب الموجع ، جلّهم منهكون لم يناموا منذ البارحة و عليهم الإنتظار حتّى العصر علّ القدر يحن و ينفحهم بخبر سعيد ينهي ولو مؤقتا هذه المعاناة .  
تمكّن الجميع من الصّمود الى هذا الحين ، عند الساعة الرّابعة نفذ الصّبر  عادوا إلى المحكمة ، جلسوا بالبهو كل يحاول قتل الوقت بما أتيح في يده من وسائل ، سامية تتسلّى بإطعام قطّة صغيرة ، شاب يغنّي و آخر يقرأ جريدة قديمة ، بينما أحرق الإنتظار أعصاب الأم فنهضت و دخلت الى مكتب الكتابة لتسأل عن القرار الصّادر في حق إبنها . طال مكوثها ، نزلت على المنتظرين غمامة تشاؤم ، بدأت الغمغمات و الهمهمات تتسربل بينهم كالوباء ، إلى أن صعقهم الخبر ، رفض الطّلب و تأجيل القضيّة الى يوم الرّابع و العشرين من ماي .
حاول الجميع تمالك أعصابهم و خصوصا الأم التي أحرجها أن تبكي أما أصدقاء إبنتها ، هي التي حرصت دائما على أن تظهر بصورة المرأة المقاومة ، اتصلت بالمحامي الذي شرح الوضع ، لقد رفض القاضي طلبهم نظرا لغياب المجني عليه و خطورة التّهم التي كالتها دائرة الإتّهام لصابر . وقد نوّه إلى أن هذا الغياب كان متعمّدا كي يطيل في أمد حبس الشاب علّهم يرضخون لمطالبه و يدخلون معه في مساومات  ، فبالنسبة لهؤلاء البشر القذرين ما يهم هو التعويض و أما حياة شاب في مقتبل العمر فتهون أمام حاجاتهم الماديّة أو طموحاتهم السياسيّة  . ما إن أنهت المكالمة حتى تنهّدت بصوت مسموع ، رفعت رأسها للسماء و دعت على الظّالم ثم استسلمت لبكاء صامت حارق . سامية أيضا كان تشتتها واضحا رغم ما عرف عنها من صمود ، تقاسم قلبها إحساس مهين بالضّعف و الغبن و حقد أسود يطالب بالثأر و يشعل النّار في كامل الجسد . تبادل الجميع النظرات و كلمات العزاء لكنّهم أجمعوا على أن الطريق مازال طويلا و قد تعهّد الجميع بمواصلة التّحرّك  ، صحيح أنّهم ليسوا كثرا – فقضيّة صابر لا تمثّل مادّة إعلاميّة دسمة أو فرصة سياسيّة تغري بالرّكوب عليها  كما أنّها قضيّة تتجاوز الحدود التي رسمها النظام للّعبة السياسيّة إذ  ستكشف خور المسار الثوري المبتذل الذي نعيشه - لكن مع ذلك هم ليسوا في حاجة لتعزيزات مناضلي الإحتفالات الفلكلوريّة ، سيصمدون بمفردهم ، أولاد الأحياء الشعبيّة كفيلون بالدّفاع عن القضيّة و بذل التّضحيات في سبيل إستكمال ثورتهم و صابر المرايحي يمثل اليوم رمزهم ، معاناته و معاناة عائلته دافع لهم حتى يكملوا المسيرة و صموده خلف القضبان يلهمهم العناد و يحرّضهم على المقاومة في الشوارع الخلفيّة و على الأرصفة المجهدة لهذه المدن المتخمة بالمال القذر و المثخنة بجراح الدّهر جرّاء الظلم و الإستغلال .

 صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة
في 25/04/2013  

jeudi 18 avril 2013

الشعب صابر ... سيّب صـــــــــابر

تكون النهاية حين يسقط القناع و تكشف وجوه المدّعين عن قبحها. قبل انتحارها ، تأكل الثورة أولادها خوفا و حماية لهم من عار الهزيمة. لن يتحمّلوا بذاءة المشهد الأخير و سيرحلون قبل نزول السّتار. سينسى الشهداء ، يضيع الثأر و يتوقف الأهل عن البكاء. يهان الجرحى و تنظّف الأرصفة من بقايا دمائهم الطّاهرة. كأن شيئا لم يكن ، يعود الشعب الى السبات ، و يعود المارد المجنون ليلبس تاج القيصر و يصفّي الحساب القديم. لقد حان موعد الإنتقام ، لا يتطلب الأمر حكمة أو معجزة لتبصر الحقيقة. فقط حاول أن تعرّج على بهو المحكمة ، و اسأل عن الشّاب المكبّل بالأصفاد ، اسأل عن صابر و ربّما لن يحتاج الأمر الى السّؤال ستعرفه دون حاجة الى دليل ، ربّما لأنه يشبهني و يشبهك ، ابن هذا الشعب الصّابر المكابر ، زائر عابر لهذه الدّنيا اللّعينة ، سيء الحظ كسائر القاطنين في الأحياء الحزينة. نظرته الحالمة لم تفارق عينيه رغم مرور أكثر من عام و نصف في غياهب السّجون ، رغم الحزن و القهر و الحقد لازال يبتسم حين يرى صمود أخته ، حين تحدّثه عن مساعي أصدقائه أولاد الكبّارية و كل أحرار الوطن في الأحياء الشّعبيّة. وحدها دمعة أمه تكبّله ، زفرة والده المكتومة تأرق قلبه العليل ، يرتفع صوت نبضاته ، ينفجر في وجوه الحاضرين ، يخترق الصّمت الثّقيل و يحاول تحريك شعب أصم علّه يكشف عورة الحاكم العميل. يقف أمام غريمه شامخا ، يطالع القاضي بعين ثابتة و رأس مرفوع ، ملف القضيّة ورقة و التهمة ثورة أو "ما يسمّا بالثّورة"هكذا  يحلو لهم أن يذكروها في محاضرهم المزوّرة. تهمته وشم على جبين كل إنسان حر و من يخرج عن دائرة الإتهام ليس سوى خائن متستر بالعلم الأحمر. ستشعر بالعجز ، تحتقر نفسك امام هذه الهامة الصّامدة ، ستبكي حرقة ، ترفع عينيك للثائر المسجون تحييه في خجل ، تلعن النّظام و القانون ثم تغادر على عجل تاركا للحاضرين اتمام المشهد الأخير. تسير على الرّصيف في انحناء ، تسمع نواح الطّراقات ، صرخات الشوارع و السّاحات ، الأرض تنادي و لا من مجيب ، تسير وحيدا مهووسا بهذه الأصوات ، لا يسمعها غيرك ، صابر المرايحي ليس صاحب قناة تلفزيّة ، ليس سياسيّا مخضرما باع ذمّته للدّوائر الإنتهازيّة أو ثائرا مثقوبا من ثوّار المنابر ، لذلك لن يلتفت لقضيّته الإعلاميّون و لا صائدو الفضائح المهووسون ، قضيّته تتجاوز الحدود التي رسمها لهم النّظام ، قضيّة حرّم فيها الكلام ، انها قضيّة وطن ، قضيّة ثورة ، قضيّة شعب يزنا فيه كل ليلة و لازال ينتظر نزول المسيح لينقذه.
تنويه : تمّ أخيرا تعيين جلسة في القضية المرفوعة ضدّ "صابر المرايحي" من طرف أحد أعوان البوليس. وقد حدّدت المحكمة الإبتدائية بتونس 1 تاريخ 19 أفريل القادم للنظر في القضية. وللتذكير فإنّ التّهم الموجهة إلى "صابر المرايحي" تتمثّل في القتل العمد وإضرام النار في سيارة بعد أن أسقطت عنه دائرة الإتهام تهمة السرقة في ما وصفته بأحداث العنف والشغب التي تسمّى بأحداث الثورة و الدّليل مقطع فيدو شوهد فيه صابر رفقة مجموعة من الشباب يسبّون البوليس...

صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة 
في 2013/04/18 

lundi 8 avril 2013

الرّحيل وقت الأصيل

سكــــــــــــــــــــــوت ، سيبدأ العرض ...
 انه الخراب يا رفاقي ، أعدّوا ما استطعتم من الأمل لترقصوا على بقايا الحطام و تجنّبوا إغراء الكلام ، إني أسمع أصواتا تناديني الى الغياب و لا طريق أمامي سوى اتباعها. لا ترهبنّكم قتامة الواقع و لا تسعدنّكم صور الأنباء المنمّقة ، فقط ابحثوا عن الحقيقة . لا تنسوا أن تشربوا نخبي إذا غادرتكم  و أن تواسوا حبيبتي ، أرسلوا اليها باقة من الزّهور التي تحبّها و راقصوها في الأصيل كما عوّدتها ، اخلطوا دمعها بغبار رفاتي ، أضيفوا اليها قطرات من دمائكم ، قليلا من النبيذ الأحمر الرّخيص ، اسكبوها قطرة قطرة  على ألسنة المقهورين كي تحرق ، أكتبوا بها وصيّتي على صدوركم  و تعلموا أن ترقصوا في أرض المعركة ، اكتبوا شعركم على ايقاع الرصاص و موسيقاكم لحن البندقيّة و صيحات القصاص ، لا وجود لثورة سلميّة فالتاريخ نتاج للصراع ، تكتبه الأيادي الصّامدة بالدّماء . لذلك حين تريد قراءة التاريخ ، دع جانبا الكتب المدرسيّة و ما في عناوينها من خداع و أساطير بهلوانيّة . ركّز بين السطور و في الهوامش المهملة ، ستمسك طرف الخيط هناك و ستدرك أن الحاضر مجرّد بعد وهمي ، شهاب غير مرئي ، لا يأسس عليه شيء . غدا بداية  يوم جديد و حياة جديدة ، ربما تكون أحسن أو اسوء قليلا ، أعدّوا ما استطعتم من أمل  للمقاومة ، ربّما مازال على هذه الأرض فسحة من الحياة و ماهي الحياة ان لم تكن مقامة أزليّة للرداءة ، و بحثا لا ينتهي عن الحب بعد استنفاذ الحقد داخل الغوغاء ، لذلك ، احفظوا ما أمكن من أغنيات ، فهي زاد للمحارب و اكتبوا مذكّراتكم عن المعارك حتّى و لو كانت خاسرة .
Haut du formulaire
تضيع الأيّام ، سطور نكتبها بأيدينا و لا نحسن قراءتها ، نخوض معركة عابرة ، نجتر أحلاما واهية و نتفرّغ بعد الهزيمة للبكاء ، نشتاق لرائحة الأرض و نمقت طعم المنفى و الجفاء ، نحزم حقائبنا للرّحيل و نظنّه المثوى الأخير ، لكن الطريق طويل و لم يعد في الوطن مكان يقبلني ، في وطني حيث للدمع نهر و للدم نهر و للنفط نهر و ليس فيه للحب نهر ، وطني حيث يموت الأصيل . وطني حيث مات الصبر صبرا ، حيث يبكي الحر قهرا ، حيث يعلو الجوع هرما ، حيث ركّزنا العمائم فوق رؤوس الحمير ، يبني الشعب صرحا للملوك ثم يبيت على الحصير ، وطني حيث للدمع نهر و للدّم نهر و للنفط نهر ، ترى هل لنا فيك قبر ؟ فأنا لا أهوى الرّكوع و العام عام جوع و قيصرنا العظيم يتربّص بجمجمتي ، يريد أن يصنع منها كأسا لنبيذه المقتّر من دماء الأبرياء و أنا لا أهوى الرّياء . وطني متى يكون للحب فيك نهر يغمر جسدي المصلوب على باب المعبد المزيّف ، متى يلقي سيزيف الصخرة عن كاهله و يكتشف أن الآلهة انتحرت تحت قدمي في لحظة يأس منسيّة ، متى يرفع رأسه للسمــــــــــاء ، لقد طال الإنحناء ، وطني ان التاريخ لا يرحم من  يكتفي بالبكاء ، نكتب المراثي على شرف الأصدقاء و نرسو على الأطلال لنحرق ما تبقى من سفن الحروب  و نطمع في السلام و تطهير الذّنوب . نستذكر المجد القريب و ابتسامات الحبيب و خيالات الرفاق حين كانوا يشحذون عزائمنا المجهدة . من هنا مرّوا ، كتبوا وصاياهم على الجدران و انسحبوا ، حملوا حقائب السفر ، أحرقوا دفاتر اليوميّات و الصور ، و استعدّوا للرّحيل الأخير ، و لنا خلفهم نفس المصير .
ما أجمل الموت على أسوارك يا وطني و ما أعذب الدمع حين يداعب شفتي حبيبتي ، قيصرنا العظيم نصب لنا المشانق في السّاحات و أعدمنا أمام نسائنا و سيستعبد أبناءنا عن قريب ، بينما أعناق الرّجال تنحني في تحيّة للغياب و الفجر يعلن عن موت القمر في أدغال السحاب و رفاقنا الحالمون ، ينتظرون في السجون يوم العفو المرتقب ، سيرقصون على أنقاض الخراب الجميل و يشربون نخب وطن عليل ، وطن حيث للدمع نهر و للدّم نهر و للنفط نهر و ليس فيه للحب نهر وطن حيث يموت الأصيل .
                               

vendredi 5 avril 2013

اللّيل المسروق

لا أريد أن أكون رقما في حسابكم و لا عاشقا في سرابكم و لا جنديّ صفّ في معارككم الهامشيّة . أريد فقط أن أحظى بشرف المحاولة لمرّة واحدة فأنصاف الأحلام كوابيس غير معلنة . لا أريد المناورة من أجل بقايا أحلامكم المجهدة ، لا أريد المغفرة منّة تأتي من السّلطان ، لا أريد صكّ الغفران ثمنا لكتمان الألم . أريد حلما كاملا ، بسيطا ، كابتسامة محارب بقي وحيدا بعد المجزرة ، رقصة مجنون بأرض المعركة ، جناح طائر مكسور ينتظر الشّفاء ، دينا على أمل الوفاء ، وردة حمراء تنمو ببهو المقبرة ، دمعة لاجئ يستعد للعودة و يطلب من أرضه المغفرة . أريد حلما حقيقيّا أو هو الحقيقة في ذاتها لا أوهام صفاتها ، أريد كل شيء و لا أريد شيئا ، كتابا و قلما ،حلما ، أرضا للفلاح ، يوم راحة لعمّال المناجم ، جنديا يحمل نايا بدل السلاح ، موسيقى تأجج الذكريات ، فسحة من النكات ، بيتا يؤوي الرّجل الغريب ، قبلة من ثغر الحبيب و قهوة ساخنة في الصّباح ، ساعي بريد دون رقيب و سلّم يرفعني للسماء فأخاطب الله و أشكره . أنا لا أريد أن أصون الماضي مثلكم ، لا أريد أطلالا أنوح على فراق حبيبها و أبني معبدا من الرّمل يعلّم فيه البكاء . من منكم يريد البكاء ؟ للدمع طعم آخر حين يمتزج بسمّ الحقد . من منكم يعرف كيف يموت الوجد في ليل ربيع صوفي ؟ من منكم يعرف رسم الحد و روح الخط الكوفيّ ؟ في مثل هذه الساعات من غفوات الليل المسروقة ، حين يموت الحب بداء القلب ، اشعر أنني مبتذل و حزين . كل بذاءة هذا العالم لا تسكت غيضي ، كل جنون الدنيا لا يحرّك شوقي للرقص . نخاف الموت ، لأننا لم نملك يوما القدرة على الحياة ، نبحث عن بقايا البشري فينا ، عن نبي ضاع قبل تلقّي الرّسالة ، نخوض حروبا ليست حروبنا و نتفرّغ بعد الهزيمة للبكاء . لا تنتظر هبة السماء ، الله ليس قدّيسا يهب العطايا و ليس شيخا غالبه العمر يشتري آخرته بالصّدقات و الرّياء ، الله جوهر المحاربين و من صانوا الكبرياء .
من منكم يريد البكاء ؟ لتجلس على طاولتي ، سأسقيك خمرا صنع من أشلاء البشر المعذّبين ، من دماء الشهداء و دموع الأطفال الأبرياء ، ستشمّ رائحة الفقر و الجوع المهين ، ستشمّ رائحة الشواء البشريّ الصّاعدة من الشارع الكبير و ترى الحمــــــــــــير جالسين على العروش . احتسي كأسك في صمت و لا تنظر لانعكاس وجهك في النبيذ ، ستبصر رغما عنك وجه ابنتك المغتصبة ، دمها الطّاهر و هو يسيل بين فخذيها ، ستتخيّل صرخات بكارتها و تفاصيل اللّذة الكريهة مرسومة على ملامح مغتصبها . لتجلس على طاولتي و لتذرف في لحظات سكرك ما أمكن من دموع ، أمّا أنا فسأكتفي بالحقد ، إنه طعم الحب حين يمتزج بالألم ، لحظة انفتاح الكلم ، حين يخط القلم توقيعي على قصيد يحترق ، حين يضيع الحلم و شهاب الليل يخترق كبد السماء ، عصر المعجزات ولّا و انتهى ، سأبحث عن نفسي داخل نفسي ، و لتنتظر أنت قيام المسيح بمفردك ، لن تبصر عورة الملك ، ما دمت ترفض أن تحترق و تصنع من جسدك شمعة تنير الطريق ، ستبقى نبيّا مزيّفا ، نبيّا تائها بلا رسالة ، ما دمت تخاف الحريق . أنت النبي المنتظر ، عقلك قبسك و زندك هو الصّديق الوحيد ، أترك مناحات الحريم و الوعيد و لتستعد للقتال . تمرّ سهام الغدر ، قدّم لها صدرك وابتسم ، سيغازلك الموت في كل ركن ، ابتسم ، طالع عدوّك دون خوف ، لن يرهبك صوت الرّصاص ، ما عدت تخسر شيء ، سر في طريقك ، لا تهتم ، افتح ذراعك للهوى و اعشق كل نساء الدنيا كما تعشق الأرض و النوى ، أطلق عنانك للجنون ، واجه عدّوك و انتقم ، أكتب وصاياك الأخيرة و ازرع في الأرض الذّخيرة و اسقيها كل ليلة بالدّم ، يا حاملا حلم العدالة فوق ظهرك لا تنم ، ضمّد جراحك بالتراب و استقم ، أحشو سلاحك بالرّصاص أرسل عدوّك للعدم . تحارب في الظلمة بمفردك و لا تعرف من يواجهك ، اختر عدوا يليق بك ، أقتل العدو في داخلك فالقضيّة لن تنتصر بموت الجلاد و إنما حين يتوقف المضطهدون عن لعب دور الضّحيّة ، حين يتوقفون عن الموت دون أسباب منطقيّة ، حين يمتصّون الحقد و الغضب الأبدي و يحولونه إلى وعي يجتاح الشوارع الخلفيّة للمدن العريقة و الأقبية السّحيقة . و لكي يتحقق الحلم ، على هذا الوطن أن ينجب في كل يوم نبيّا و يهديه عند انتصاف الليل قربانا للبشريّة ، يا أنبياء هذه الأرض المتعبة ، أفيقوا ، كونوا فرسانا محاربين ، لتنزعوا رداء الحكمة المبجّلة و الفضيلة المؤجّلة ، استنزفوا ما تبقى من حقد على هذه الأرض فالحب ليس سوى انتفاء الحقد الدّفين ، لتغلقوا المعابد و المساجد و اقيموا الصلاة في قلب المعارك ، إن الله لا يحب الخاملين ، وجهّوا رصاصكم للمارد المتنكّر بينكم ، للنّبي الخائن في صفوف المرسلين ، الجلاد ليس عدّوكم و هذه ليست حربكم ، فلتبحثوا عن حربكم ، و علّموا الإنسان كيف ينكر دور الضّحيّة ، علموا الإنسان كيف يكون عند انتصاف اليل نبيّا. أما ملوك اللّواط و مشائخ البلاط و جلادوهم الذين يحملون في وجوهنا السياط فلا يستحقون من مسدساتكم رصاصة ، سيندثرون كالحشرات حين يعجزون عن التأقلم في صلب العالم الجديد  فهذه الأرض لا تعشق سوى الفرسان .

صفوان الطرابلسي
نشر بجريدة ضد السلطة
05/04/2013 

samedi 30 mars 2013

جنازة حب قديم

بين انتفاضات العواصف ، في ليالي الشتاء الهادئة ، تترسّب بقايا الطّين على الأرصفة المتعبة و تبكي عواصم الشّرق . في الأزقّة الخلفيّة للمدن المزدانة ببقايا العيد ، تتصاعد رائحة الجوع و يتقاسم الأهل دفأهم كما يتقاسمون الخبز كل ليلة ، راجين أن تمر السّهرة دون أن يكونوا بحكم العادة ضحايا القدر المشؤوم . تنطلق خفافيش الظّلام ، تصدح صيحاتها الحاقدة ، تمتص دماء راقصة غجريّة حتّى الثمالة و تطلق صرخات الإحتقار معلنة عن انطلاق الجنازة . دون بكاء ، دون كلام ، في كنف الصمت الحاقد ، يأتي المشيّعون قبل الأوان  يؤدّون الواجب عن مضض و يرحلون مسرعين . دون بكاء ، دون كلام يمرّون ، يقدّمون تعازيهم دون أن يختنق في قلوبهم الشّجن فهم لا يحزنون أو ربّما كانوا هم القتلة المأجورون ، يكتمون السر في قلوبهم ، لا يخجلون حين يقرؤون الفاتحة جهرا ، لا ترحّما و إنما تباركا بنفاذ المهمّة بنجاح ثم في سكات يمرّون و لا يسألون حتّى عن الرّاحل هذا المساء ، كل الوجوه في الأزقّة الخلفيّة للمدن العريقة الفاخرة  متشابهة . دون كلام ، دون بكاء يرحل كل الأتقياء المحترمون ، لا يبقى سوى المتسوّلون و من حرّضتهم شهواتهم و الظنون ، جاؤوا ينفثون في بطنها خطايا يومهم ففاجأهم الخبر . يغنّي السكارى لحنا للتأبين و يرقص روّاد الميناء القديم على شرف رحيلها رقصتهم المفضّلة ، أمّا الإمام العجوز فيقف أمام الضّريح ليقرأ الفاتحة ، يبحث عن رزق عياله في الدّعاء ، و يصطنع في آخر الصّورة نغمة البكاء ثم ينسحب في هدوء ، تاركا الإبن اليتيم غارقا في صمته يجتر أذيال الحنين،يتتبع الكلمات و الحركات،بلا مبالاة يقف متوحّدا مع الموت تاركا للوافدين أجر الصّلاة ...
أنا لا أكره الموت ، يبقى رغم كل شيء قدّيسا مبجّلا و هو خاتمة كل محارب . أنا لا أكرهه ، لكنني أحب الحياة أكثر  أو أحاول رغما عنّي أن أحبّها ، اسعى إليها كبدوي تائه في الصحراء يرى سراب الماء . و قد شاءت الصدف ، في حضرة هذا الموت الحقير ، أن أكون الشاهد الوحيد على عادة التعفّن البطيء فوق أرصفة الضّواحي ، كنت الوحيد الذي يبحث عن بقايا الحياة بين المقابر و كنتِ الوحيدة التي تنشدين نداء الحب بشغف المغامر ، تطلقين صرخة بطعم الشهوة المقدّسة ، تصرخين في وجوههم المكسوّة بالتقوة المزيّفة و تنادينهم للنزال ، كنتِ تطلبين المحال و ليس هناك غيري ليلبّي النداء ، نداء الفضيلة القصوى و الخطيئة الكبرى ، ليس هناك غيري ليلعب ورقته الأخيرة قبل الرّحيل و كنت بطبعي المغامر ، كنت أنا القتيل ...
تذكرين الحب ، تبحثين عنه داخل صدري ، ترسمينه وشما لا ينجلي ، تبحرين في ثنايا العشق تاركة لي مجال الإكتشاف . أجهّز خرائطي ، أرسو على قمّة النشوة الغامرة ، أرسم بين نهديك خطّا لسيري ، أنزل إلى منحدراتك النائية ، أطلب بين شفتيك الموت و ابحث بين ضفائرك عن سر الخلود فمنذ الموت الأوّل على صدرك تفتحت ذاتي و مات داخلها الجمود . أفجّر على أرصفة الشهوة سدّ الكتمان العظيم ، تتساوى الأضداد حين أكون بين يديك ، تنعدم الشراسة في الطقوس المتقلبة للطبيعة و تغازل النار الجليد في لحظة وجد موسمية لا أبصرها إلّا في عينيك المتعبتين . تنسكب  دمعة تتلألؤ على ايقاع الشهقات و استرسال النّزيف . أكتب آخر أمنياتي على خدّك بأنامل ترتجف لحظة انسحاب الخريف ، أمدّ يدي إلي الرّيح ، أحاول الصّعود مع أمواج جموحك إلى الجنّة الأبديّة في مقلتيك ، لكنني أسقط في منتصف الطريق فأنا لست ملاكا و لست نبيا ، لست رسولا أو من أولياء الله الصّالحين و لم اقف فوق قبرك يوما لأداء الصّلاة ، فقت أمر عابرا ، خائفا ، اقرء الفاتحة و أختفي ، طيفا خفيف الظّل كما عهدتني . قد يغفر الله خطيئتي يوما فالله يجزي من العباد الطيّبين لكن حرّاس النوايا الطّاهرين أبدا لا يغفرون و ذنبك كان أنكِ عشقتني كالأرض ، كالبحر و الصحراء و رفضت عند تطبيق حكمهم البكاء و الإمام في الجنازة ختم الدعاء ثم قدّم للحضور أجر الصلاة و انصرف ...
بقيت وحيدا ، كنت أحتك بذاتي من بعيد ، أرمق الطفل الوحيد بين ركام الصخور ، أرمق رقص العبيد خلف غيوم البخور ، يضحكون و يهللون لانتصاراتهم الواهية . أحمل الذّنب الثقيل و استعدّ للرّحيل. بلا كلام و بلا بكاء ، أحمل حقائبي المجهدة و مع ليالي هذا الشتاء أغادر محرقة الوطن ، أبحث عن حب يحرقني ، عن أنثى تقتل في جسدي كل الأوطان ، عن ثغر ، عن نهد يغرقني في الفسق ، ينسيني أيّام الحرمان . إنّي ابحث عن حب ينصفني ، عن امرأة تعرفني من اللحظة الأولى و قبل النظرة الأولى تضمّني إلى صدرها ، مثل إبنها ، أنام في سلام و كل صباح أعصر من نهديها الخمر و اشربه حتّى الإدمان . أغادر محرقة الوطن ، لا أترك شيء للذكرى فأنا قررت أن أنسى لتنساني جميع الأحزان ، ساترك روحي للقدر علّه يفهمني ، يهديني الحب درسا ، أدرسه على جسد امرأة أخرى ، غير المحجوزة في الوطن بين النيران ، غير المرميّة في الوكر خلف القضبان ، غير المهووسة بالسفر ، غير المتهومة بالعهر ، غير المدفونة في القبر أو بين حريم السلطان . ابحث عن هذا الوجد الضّائع في غفوات الليل ، اتوقّف عند ضياع القمر ألملم روحي ، أسرق احلاما للذكرى و أداوي على طرقات السفر جروحي ، يرهقني السير ، أتوقف في ساعات السهر و أحاول تعمير ربوعي ، يا سيّد هذا الليل كيف تراني أسكت جوعي ، يحملني السيل و الصمت المرعب في صدري يترصّدني و يطفئ في البرد شموعي ، يغتالني حزني و طريق في البحث طويل ، يا سيّد هذا الليل قد حان موعد هجرتنا فأنا كالطّير ، أبحث عن نفسي في الغربة لأني في وطني غريب ، سأموت بذنب أجهله و خطيئتي أنني صرت للعدم حبيبا و تركت في الوطن حبيب ...      

صفوان الطرابلسي