mercredi 27 mars 2013

المنتدى الإجتماعي العالمي: ثورية المجتمع المشهدي

 فصل آخر من فصول السياحة الثورية ذلك الذي تستقبله بلادنا هذه الأيام. ألوان مختلفة وأشكال نضاليّة عديدة وجنسيات متعددة و شعارات قزحيّة سعيدة تزيّن صورها صفحات الانترنت والصحف وبعضا من شاشات التلفزات.. كلّ هذا العدد الجميل من الشباب يجتمعون في بلدنا لنصرة "الزوّالي" و الفقراء المعدمين ولإيجاد حلول للتنمية والتهميش والعنصرية والبطالة والحروب الأهلية والتعذيب والتطرّف الديني وسوء التغذية وتفاقم الأوبئة والتجارب النووية.. لتغيير كلّ هذا الواقع الكارثي المرير في حلقات نقاش ومحاضرات تدوم، رغم هول القضايا المطروحة، لمدّة أربعة أيّام في تظاهرة رسميّة تشرف على نجاحها وسلامتها حكومة الوكالة الإستعماريّة ذات الخيارات الإقتصاديّة الليبيرالية ويحميها بوليس النظام.. وقد تتولّد عنها بعض الإتفاقات والتوصيات والبيانات والتنديدات والإستنكارات التي ستواجه قرارات مؤتمر دافوس الحاسمة وتمثّل اللحظة المفارقة في محاربة النظام العالمي الجديد وإسقاطه.. المشهد ساخر جدّا لو تدرون. مشهد السخريّة برمّته يذكّرني بلقطة من فيلم هزليّ نسيت الآن إسمه لكثرة المهازل التي تتابع أمام أعيننا يوما بعد يوم.. في تلك اللقطة من الشريط، ينظر الملياردير الفاحش الثراء إلى مجسّد مشروع مدينته السكنيّة الجديدة ويتثّبت من كلّ مراكز الرفاه ومتطلبات الحياة المدنيّة العصرية من مستشفيات ومدارس وعمارات وطرقات الخ.. ثمّ يأمر مهندسيه بإنجاز شارع كبير مغلق المنافذ وسط المدينة وأن تقع حراسته ومراقبته جيّدا حتى يضمن فضاء للناس للخروج للتظاهر والإحتجاج ضدّه بكلّ حريّة ومتى أرادوا ذلك
       
ينتظم هذا المنتدى/الصالون في نفس الوقت الذي "يهتزّ فيه العالم تحت وقع المظاهرات، والإضرابات، والإعتصامات والانتفاضات العارمة، من بلدان الشرق إلى بلدان الغرب، من الدول المسماة ديمقراطية إلى الدول الديكتاتورية" ففي حين ينتفض مفقّرو الأرض و مهمّشوها لإفتكاك السلطة وتحقيق الكرامة الإجتماعية و العدالة الإقتصاديّة بين الطبقات والبلدان وإعادة موازين النظام وتقرير المصير بيد الشعوب، يكتفي بعض من الإصلاحيين والثوّار العاجزين عن الإلتقاء مع أشكال التنظيمات الريزومية المتأجّجة في الشوارع والميادين، وبعض من سجناء الترتيبات الهرميّة والأشكال الهيكليّة المتكلّسة والإديولوجيات السلفيّة، يكتفون بشرف المشاركة في هذه الصالونات الثقافيّة مدّعين التغيير والفعل من هناك.إن طرق العمل والتنظيم التي تطبع سير هذا المنتدى منذ سنواته الأولى وصولا إلى مراحل الإعداد له بتونس وإستحواذ البيروقراطيّة النقابيّة المتكرّشة على إدارته، هي ذات طرق التنظيم والتمويل والتعبئة التي يعمل من أجلها النظام العالمي الرسمي وتحت طائلة قوانينه ولوائحه التي تدعّي كلّ هذه المنظمات والأطراف المشاركة في هذا الملتقى محاربتها.سنضع أنفسنا مكان المشاركين في هذا المنتدى فنطرح سؤالا لا يُمكن أن يُنطق إلاّ بهذه الصيغة: هل نستطيع أن نرفع الشعارات المناهضة لـ "الإمبريالية الرأسمالية" وننتناقش حول إمكانيّة تطوير "برنامج عمل ثوري عالمي" بالمشاركة في منتدى إجتماعي نظاميّ وبإتّباع نهجه الليبرالي الإصلاحي، أم نقاطع فعالياته الرسميّة ونمرّ مباشرة للعمل على خلق بديل لاسلطوي شعبيّ قاعديّ خارج كل المقاربات البيروقراطية للنقابات المتعفنّة والمنظمات اللقيطة والأحزاب المشعوذة؟إنّه لمِن التغابي أو دعنا نقول من خبث الإنتهازيّة السياسيّة أن لا يتفطّن "رفاق" النضال الإجتماعي المشاركين بكلّ "حماس" في هذا المنتدى الإجتماعيّ إلى نفاذ بارونات رؤوس الأموال وشبكاتهم عبر العالم في تمويل مثل هذه المنتديات وغيرها من الملتقيات التنظيرية الإصلاحيّة بالنظر لكلّ هذه الأموال الضخمة المرصودة للتنظيم من ناحية ولتمويل الجمعيات والمنظمات المشاركة أو مغازلة بعض الحركات المنفلتة و"اللاتنظميّة" والتأثير عليها من ناحية أخرى. فمنهم (الرفاق) من سيواصل إنخراطه في مسرحيّة النضال الأممي مأخوذا بالأضواء الهوليودية للرومانسية الثوريّة، ومنهم من سيوافقنا هذا الرأي ولكنّه سيتعلّل بحجّة التغيير من داخل الهيكل فيجد نفسه رهن التراتيب والإجراءات مكبلا مغلوبا ضائع الصوت وسط حشود من المخدّرين بوهم الإصلاح. ومنهم الآخرون الذين سينسحبون باحثين عن الأسباب من قبيل صهيونيّة بعض المنظمات أو يهوديّة بعض الدول المشاركة متناسين أنّ الأمر لم يعد سرّا أو عارًا قد يخفيه الساهرون على تنظيم هذه المنتديات العالمية المطبّعة مع كلّ شيء.. كلّ هذا وذاك يأتي في إطار برنامج إحتواء شامل وسعي إلى إرساء الوفاق الطبقي والخضوع الإجتماعي الذي تهيمن عليه البورجوازية بآلياتها وأسلحتها المختلفة، فتساهم كلّ هذه الحركات "المقاومة" بمشاركاتها الرعناء في إنجاحه..إن توفـّق النظام العالمي في ترويض مكوّنات الرفض عبر العالم بات أمرا جدّ هام لما يمثّل إستيعاب هذه القوى من ضمان "صمّام أمان" يمتصّ القدرات الثوريّة المتفجّرة والطاقات الحقيقية المؤثرّة ويحتويها داخل فضاءات مغلقة بعيدا عن "خطر" الحراك الجماهيري في الميادين مستغلا في ذلك قصور هذه الحركات عن التفكير في بدائل تنظيميّة جديدة وفي تحيين قراءاتها لواقع المشاكل المتفاقمة اليوم، بعيدا عن كليشيات التنظيم العقيمة وقدسيّة المراجع الإديولجيّة المتزمتة التي حالت ولا تزال دون إيجاد حلول واقعية ناجعة لتثوير الشارع والعمل بتلازم مع صفوف الجماهير في الأحياء المنسيّة والمدن المهمّشة والقرى النائية التي لم و لن يسمع مسحوقيها أبدا عن مثل هذه المهرجانات و الصالونات الديمقراطية
                                                                    
إن رهان قلب نظام رأس المال الفاسد تأكـّد عقمه بمثل هذه الشطحات الإستعراضيّة والتمارين الحركيّة لنضال المخابر والتجريد. فمن مهازل هذه المنتديات المتشدقة بأحلام المفقرّين عبر الأرض أن تقودها بيروقراطيات نقابية متعفنّة متاجرة بدماء الشغّالين ضمن حسابات المحاصصة السياسية القذرة، وتشارك فيها منظمات قانونيّة نظاميّة تخضع في تنظيمها و مراقبتها و تمويلها إلى سلطة الدولة ورأس المال، وتزكّيها أحزاب سياسية يمينيّة أو يساريّة بورجوازيّة متناحرة على السلطة.. هذه الأحزاب -التي لم تعد ترى المسألة الوطنيّة إلاّ عبر صناديق الإقتراع التي كانت أوّل طعنات الغدر في ظهر الثورة- إنمّا تلح على تواجدها في مثل هذه الفرص للقيام بخطوات تكتيكيّة بحتة لحشد ما تبقى من أصوات قد تغرّد خارج السرب الإصلاحي عبر العالم و زجّها في الإنتخابي القادم وللعب أدوار البطولة الثوريّة أمام العدسات بعد أن إنكشفت حقيقة وجوههم القذرة على أرض المعركة.. إن الساعين إلى المشاركة في المهازل الإنتخابية المشروطة، السابقة منها والقادمة، لن يكونوا من أبطال قلب النظام العالمي المتوحش والحراك المجتمعي الدائم إذ هم أوّل المشاركين في تأثيث مسرحه المقسّم الأدوار بين موالاة ومعارضة وأوّل اللاهثين المسعورين إلى إعتلائه كراسيه.. فهل يمكن لبطارنة السياسة ومراهقي الإعلام وسلفيي الأيديولوجيات و "متشعبطي" المجتمع المدني أن يكونوا نواة التثوير من داخل ورشات عمل نظاميّة مدجنّة تفصلها عن الشارع مئات السنوات الضوئيّة؟؟إنّ تجارب الثورات الشعبيّة و الحراك الإجتماعي المغيّر التي شهدتها بلادنا وتشهدها العديد من بلدان العالم أمام هذا التآكل لنظام الرأسمالي العالمي لهي أكبر دليل عن عجز المعارضة الثقافية عن خلق المفارقة التاريخيّة، فعندما يجد هؤلاء الثرثارين وثوريي الصالونات والبرلمانات أنفسهم وجها لوجه في الحياة الواقعية أمام الثورة فإنهم لن يدركوها أبدا. فأي بوصلة لا تدّل على التنظّم الذاتي لجماهير المفقرين والعمّال وتصرّفهم في الموارد و الثروات كخطوات أولى في سبيل إزالة السلطة هي بوصلة واهمة تصوّر وهم الحلول الإصلاحية، بالرغم من إتخاذها بعدا عالميا، حتميّة تاريخيّة لحلول ما يسمّونه الإنتقال الديمقراطي والذي ما فتئ يذهب بنا في واقع مؤسف إلى الوراء
            
منقول عن صفحة " مـــولـــوتـــوف 


vendredi 15 mars 2013

جهاد مبروك


 
حينما أعلمه المحامي بالحكم الصّادر في حقّه ، لم يتفاجئ كثير ، كان الأمر متوقّعا و قد حضّر نفسه جيّدا لهذا الإحتمال ، اليوم يبدأ فصل جديد من فصول نضاله المرير في سبيل حرّية هذا الوطن . ابتسم في وجه القدر السّاخر ، لقد هزمه في هذه المعركة لكن الحرب مازالت في بدايتها و الطريق شاق و طويل . " كل من ماتوا و سوف يموتون على باب النهار ، عانقوني ، صنعوا منّي ... قذيفة " ، تذكّر رفاقه الذين رحلوا و من سيرحلون ، لقد تعلّم كيف يستقبل آلامه برحابة صدر و يبكي جرحه في صمت متشبثا بخيط العنكبوت الرّقيق و الأمل الصّاعد في الأفق السّحيق . مرر أنامله على الندبة التي خلّفتها الرّصاصة في عنقه ، شهب من النّار تجتاح المسار الذي سلكته داخل جسده ، يذكر لحظة الرّعب التي جمعته بغريمه ، صوت الرّصاص الذي أردى رفاقه من حوله ، دماؤهم التي سالت على الرّصيف و لطّخت قميصه ، صيحات ألمهم الحاقدة ، تضرّعاتهم عند الرّمق الأخير و عجزه المرير أمام فوّهة البندقيّة . لا داعي للخوف من صوت الرّصاص ، الرصاصة التي تقتلك لن تسمع صوتها . أحس بيد تربّت على كتفه و قبل أن يرى الشخص الغريب سكن كل شيء و توقّف الكون لبرهة ، رعشة لذيذة في القلب و سهم يخترق العنق. الرصاصة التي تقتلك تسلبك كل الحواس لكنّها ان أخطأت الهدف تذيقك سوء العذاب و ينحل الجسد كالسراب لكنّك لا تنال شرف الرّحيل الأخير . سقط على الأرض ، تلقّفته بشغف عاشقة بربريّة ، كم كان يشتهي أن يقبّلها ، أن يرمي بنفسه على صدرها و يمتص رحيق اللوز الذي خضّب ثدييها ، كم كان يشتهي أن ينام في هدوء ، فراق الحياة صعب ، هو لا يكره الموت لكنّه يحب الحياة أكثر . لم يكن مستعدا لفراق ضحكة أخته ، دمعة أمّه و بريق الرّضا في عين أبيه  لم يكن مستعدا لهجر حبيبته و ترك أخيه ، لم يكن مستعد للتفريط في دماء رفاقه و الثأر من أعدائه و لهذا صمد كما صمد من غدرهم الرّصاص قبله . رفع رأسه ، أراد أن يرى وجه قاتله قبل الرحيل لكن هذا الأخير أدّى المهمّة و انصرف . لم يكن له مع الموت موعد قبل الأوان ، مازال في الجسد قليل من الروح ، قليل من الطاقة و كثير من الإرادة و الصّمود . وقف بشق الأنفس أحس ببعض السعادة رغم الإرهاق ، كشخص تعلّم السباحة عند الغرق ، سار عدّة أمتار إلى أن تلقّفه ملاك آدميّ حمله بين ذراعيه الى أقرب دوريّة للجيش . في المستشفى العسكري ، حقنه المبنّج بحقنة المخدّر و هو يهمس في أذنيه " أنت بطل يا بني ، واصل نطق الشهادتين حتى ينفذ مفعول المخدّر ".
إلى هنا انتهى الجزء الأول من قصّة جهاد مبروك ، هذا الشاب الثائر ، و لا أرى فائدة من إتمام الجزء الثاني فجميعنا يعرف جيّدا المعاناة اليوميّة لجرحى الثورة و عائلات الشهداء ، جميعنا نعرف طعم الدمع و معنى البكاء . لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن جهاد اليوم صار من اصحاب السوابق بمباركة حماة الثورة المجيدة ، حكم بثلاث أشهر من السجن و غرامة ماليّة قيمتها مائتي دينار في إطار قضيّة كيدية تحت عنوان تخريب ممتلكات خاصة و قد جاء هذا  في اطار وقفة احتجاجية ضد أحد رموز الفساد الذي شاءت الأقدار و بمحض الصدفة أن يكون المتضرر في قضيّة الحال . حسمت المعركة بسرعة جنونيّة و بشكل فجئي دون حتى الإستماع لشهود الجاني الضحيّة و للتنويه فقط فان هذه القضيّة ليست الأولى من نوعها فقد أحيل جهاد في الصائفة الماضية على المحكمة العسكرية بتهمة التهرب من الواجب الوطني .
بالتالي فان ما يعيشه جهاد مبروك من مضايقات هو عمليّة ترهيب ممنهج ، و محاولة لإخضاعه و اخضاع كل الأصوات الحرّة في هذا الوطن ، جهاد مبروك سيسجن لأنه رفض المتاجرة بدمه و دماء رفاقه ، لأنه كان حاضرا في كل التحرّكات الشعبيّة المطالبة بالكرامة و الحرّية و العدالة الإجتماعيّة ، و رغم حالته الصّحيّة السيّئة لم يترك منبرا إلا ووقف فاضحا سماسرة الدماء و حقوق الشهداء ، أصحاب البدلات السوداء الفاخرة في وزارة إذلال الانسان و مجلس الخيانة و النسيان .
سيسجن جهاد مبروك ، كما سجن من قبله صابر المرايحي و شباب الثورة في الكاف و سليانة و المكناسي ، لا عليكم هؤلاء الشباب يعرفون معنى الصّمود ، لقد كانوا أحرارا ولا يزالون حتى و لو أغلقت في وجوههم قضبان السجون، أما نحن فماذا ترانا سنكون ؟ هل تعرفون؟
مجرّد شياطين خرس قذرين ، قد لا نكون المذنبين الرّئيسيين لكننا لسنا ابرياء ، يأسنا خيانة و صمتنا جزء من الجريمة .  

صفوان الطرابلسي
نشر بجريدة ضد السلطة
16/03/2013  

vendredi 1 mars 2013

الحبس كذّاب و صابر غدوة يروّح



حينما سألت عن فحوى الاستدعاء ، أخبروها أن الأمر هيّن ، بضع كلمات في ما يخص قضيّة قديمة متعلّقة بحادث مرور . اتصلت بصابر على الفور و أعلمته بالموضوع و ترجّته بأن يأتي مسرعا حتى يغلق الملف و يخفف من هلوسات أمه ، فشكّة إبرة في أحد أبنائها كافية لتحرمها من النوم لليال . قرر الشاب النزول إلى العاصمة مسرعا و العودة الى عمله بالدهماني في ذات اليوم ، كان على أبواب التّرسيم و ليس مستعدا لتلقي أي ملاحظة من مرؤوسيه ، لقد جاهد و ذاق الأمرّين من أجل الحصول على هذه الوظيفة . رافقته أخته ، دخل التحقيق و هو يظن أنه سيدلي بإفادته في بضع دقائق و يغادر ، لكن الأمر طال و الأخت تنتظر خارج المكتب مستغربة قبل أن يرن هاتفها و يعلمها أحد الأعوان أنه سيتم التحفّظ على صابر و من المستحسن أن يسرعوا للاتصال بمحام  . في البداية كانت تظنّها مزحة ثقيلة من مزاحات أخيها لكن النبرة الجديّة للمتكلّم بددت شكوكها . كارثة بأتم معاني الكلمة ، كيف تمالكت نفسها في تلك اللحظات ؟ كيف لكائن أن يتحمل مثل هذه الصدمة ؟ لقد كانت و لا زالت الى اليوم امرأة عتيدة من نساء هذا الوطن ، لا أعرف كيف واتتها الجرأة لتخبر عائلتها وتواسيهم  و من أين تأتي اليوم بتلك القوّة الجبّارة في نضالها من أجل فك أسر أخيها . ربّما هو ذلك الحقد الذي تولّد في صدرها عندما رأتهم يسحبونه مكبّلا الى سيّارة الشرطة ، لقد حافظت عليه داخل قلبها و جعلته زادها لأنها تعرف جيّدا أن الحقد سيّد المنتصرين .
"و ضعوا على فمه السلاسل ، ربطوا يديه في صخرة الموتى و قالوا أنت قاتل " ، أغلقوا في وجهه الزنزانة ، حرموه من لمسة أمه الحنون ، ضحكة أخته الصّاخبة ، حرموه حتى من عتاب أبيه و قبلة مسروقة من خد حبيبة عابرة . تراه اليوم يجلس في ركن من أركان الغرفة المظلمة ، يتقاسم مع الباقين ما تيسّر من هواء ، يدخن بشهيّة هوجاء و يجتر الذكريات محاولا أن يصمد و أن لا يفقد الثقة ببراءته و حكمة الله ، محاولا أن لا يفقد الثقة بعائلته و أصدقائه الذين يبذلون ما بوسعهم من أجل نصرة قضيّته . كان كل ليلة يجلس وحيدا ، و حين تجتاحه الخيبة يناجي الظلام بكلمات ضائعة لدرويش " تنسى كأنك لم تكن / تنسى كمصر طائر / ككنيسة مهجورة تنسى / كحب عابر / و كوردة في الليل ... تنسى " ، في السابق كان يردد هذه الكلمات و هو يدخن سيجارة في شرفة البيت يخمد حرقة قصّة حب فشلت ، أم اليوم فهو يرددها و يحاول أن يخمد ألم الغدر و حرقة وطن يضيع و ثورة بدأت تأكل اولادها و أبطالها .
من سيقرأ هذه الكلمات سيظن أنني مهتم باقتباس سيناريوهات الدراما التركيّة الرّخيصة ، لكن للأسف ، إنها حقيقة هذا الوطن و حقيقة شعبه المتعب و ثورته المسلوبة . صابر المرايحي شاب ابن حومة شعبيّة ، إبن سينا الكبّاريّة بالتحديد ، عمره 25 سنة ، سيسجن لـ 20 عاما و قضيّته الآن معطّلة في يد محكمة التعقيب ، التهمة الحقيقة هي المشاركة في الثورة و مساهمته في حماية أبناء وطنه أيام "الليالي الزّرقة " كما كنّا نسمّيها ، أما التعلّة فهي محاولة قتل و أقصى تجليات المهزلة تتلخّص بأن من يتهمه بمحاولة قتله عون أمن و دليله على ذلك هي وصفان هزيلان للجاني و قد ذكر أن من اعتدى عليه كان أبيض البشرة و يرتدي نظّارة و فيديو مصوّر في يوم آخر شوهد فيه صابر هو رفاقه أيّام الثورة يشتمون و يسبّون البوليس .
حين سأل أفراد العائلة هذا البوليس عن سبب اتهامه لصابر و هو يعرف جيّدا أنه بريء ، أجابهم بكل برودة دم " لازم فمّا شكون يخلّص " أي ما يهم حقا هو الثأر بل ابخس من هذا ما يهمه حقا هو التعويض ، حتى ولو كان على حساب شخص بريء .
لذلك من يظن أن المعني بهذه القضيّة هو صابر نفسه فهو إما غبي أو يتغابى و على فكرة صابر ليس الوحيد الموقوف على خلفيّة أحداث الثورة ، مئات الشباب يقبعون في السجون اليوم بتهمة الثورة بينما تغيب عنهم أعين الحقوقيين و الاعلام لانشغالهم بالتجاذبات السياسية القذرة و ربّما كان صابر أوفرهم حضا و ربّما كان نبيّهم ، علّ قضيّته تفتح الباب و تلفت نحوهم الأنظار .
في النهاية لا أريد أن أواسي عائلة صابر و لا أريد أن أواسي أخته سامية المرايحي لأنني متأكد أنها تحمل في عروقها دم البربريّة و في قلبها حنان السيّدة المنّوبيّة ، إنها ببساطة إمرأة تونسيّة ، امرأة بألف رجل . الحبس كذّاب و صابر غدوة يروّح ، لكن العزاء الحقيقي وجب توجيهه لشعب يقتل ثورته يوما بعد يوم و سيكتشف بعد فوات الأوان أنه قتل آخر أمل للنجاة من الجحيم الذي يتّقيه

صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة 
2013/03/02

 
 إعداد و تصوير مجموعة " مولوتوف "

samedi 23 février 2013

جانفي الجنفري



جانفي القدّيس يستعد للرّحيل ، يودّعنا تاركا لنا في طيّات الزّمان مفاجآته الحارقة . كتبتْ هذه السطور لعشّاق المقامة ، كتبت على شرف هذا الشهر البديع هديّة للثوّار المرابطين في كل ساحات الحرّية من هذا الوطن ، من ميدان التحرير في مصر الى دوّار اللؤلؤة في البحرين وصولا الى الساحة الحمراء في تونس ، ساحة محمد علي الخالدة ، هديّة لكل من يؤمن بأن التاريخ نتاج للصراع  و أن الثورة هي عيد الكادحين .


ألا اِنهض يا اٍبن العرب
لتكتب التاريخ في عصر مجيدْ
سلاحك في الساحات صيحات الغضب
وحلمك في الآفاق يصعد من جديدْ
ربيع الثورة المرجو اقترب
و قلبك المجروح قد صار عتيدْ
ترى الأحلام من فوق السحب
فمد يديك واقطف ما تريدْ
نار الثورة من لهب و حب
و قلب الثائر من زبر الحديدْ
لو أشعلت الأرض ما نفذ الحطب
زنودنا تحمي العرض من كل وعيدْ
دماؤنا في الشريان بركان غضب
أنفاس هذه الأرض ذوبت الجليدْ
فكسر  قيدك قد كان السبب
في جعل هذا الشعب من  صنف العبيدْ
تعبنا مللنا من طول الخطب
و في الساحات الشعب يريدْ
فنهج الحر يملؤه التعب
و السير للعشاق أملهم الوحيدْ
تهون حياتي إذا موتي وجب
شهيدا أبعث في يوم سعيدْ
و يزهوا رفاقي من عنف الطرب
و من عمق الميدان يرتفع النشيدْ
يموت قاتلي من خوف و رعب
و يعرف أن الشعب يثأر للشهيدْ
و مهما تزور تاريخي الكتب
أصحح المسار في الفجر الوليدْ
أنا الإنسان أرهقه الكرب
سأقهر كيد الظلم على كل صعيدْ
فمن عمق الصّحراء ينفجر اللّهب
رفاقي سلاحي و الرّأي السديدْ
أبناء هذه الأرض يأتون العجب
وتولد الأحلام في الأفق البعيدْ


صفوان الطرابلسي  
 نشر بجريدة ضد السلطة 
في 2013/02/02






jeudi 21 février 2013

رسالة الى سيّدة مجهولة


كيف يكون لرسائلي معنى و لم يعد للمنطق في هذا الوطن وجود ؟ كيف أكتب لك قصائد الحب و قلمي ينزف حقدا و دما متخثّرا ؟ أين أجد زهرة حمراء اللون ، أملأ ببتلاتها الظرف قبل ارساله ، فمن فرط خطايانا قاطعنا الرّبيع . من الارهاب الى الارهاب نمضي و الدفء يموت شيئا فشيئا داخل قلبي ، كيف سأبكي يوم تكتشفين الحقيقة و تهجرينني ، لقد جف الدمع ، بتنا نودّع الشهداء كما نودّع الغروب ، نجتر الصمت بحزن عميق و قلب عليل لكن دون دموع .
" سيّدتي ... أيقتلك البرد ؟ أنا يقتلني نصف الدفء و نصف الموقف أكثر. " أنا يقتلني صقيع القلب ، يأس رفاقي و غدر الشيطان الأكبر . سيّدتي لا تطلبي منّي أن أحكي عن تاريخ العشق الضّائع بين ثنايا الخوف ، لا تطلبي منّي أن أرقص فرصاص الغدر يعزف لحنا صوفيا يغريني بالموت ، يهديني لقبا أبديا و دموع فتاة عشقتني في السّر ، تكبت شوق الحب و تسير بعد رحيلي على الدرب .
سيّدتي ، فلتعذري رعبي ، مأساتي و جبني أو ربّما غبني فوطني يقترف الخطايا و لا يتوب. قولي عنّي ما تشائين ، مجنون ، معلول ، سوداوي ، فوضوي أو طفل يخاف من غول الاساطير الوهميّة . قولي ما تشائين فقط هبيني قليلا من الحب ، قليلا من الدفء الباطني لنهد يعرف كيف يلعب دور الأمومة ، يعرف كيف يغذّي الشجاعة و الرّجولة و يحمي ما تبقّى لي من كبرياء .
سيّدتي ، هل تعلمين كيف يغتالون الحب في الصدور ؟ هل تعرفين احساس العيش المؤجل و الموت الحاضر في كل الزّوايا ، احساس جائع يحرث الأرض بأظافره و ينثر بين طيّاتها فتات كبده ليأكل سيّده المبجّل . أما آن الأوان كي نخجل ؟ هنا ، على هذه الأرض كل مشاعرنا و أحلامنا مشاريع وهميّة ، نصوغها في لحظات اليأس نصوصا أدبيّة و صورا سينمائية ، نحاول أن نقنع أنفسنا بأنها ستقنع الله و تكون حجّتنا بأننا عرفنا كيف تعاش الحياة. هل تراه سيغفر لنا لمجرّد أننا نطيع ولي الأمر و نقلع عن شرب الخمر و نكتفي بعد العشاء بالاستغفار و الصلاة. ألن يحاسبنا على السّكوت ، ألن يلومنا عن جهلنا ، عن جبننا ، عن خذلاننا له و افسادنا في الأرض . ألن يلوم خضوعنا للأفخاذ المتهالكة على عتبات الدول الكبرى ، ألن يسألنا الله يوم القيامة عما تبقّى من حب في أفئدتنا ، عما تبقّى من الانساني فينا ، قد لا نكون المذنبين سيّدتي لكننا لسنا أبرياء. أنت لا تعرفين كيف تحوّل شعب عمره ثلاثة آلاف سنة و أكثر الى قطيع من الغنم. أنت لا تعرفين كيف يعاد انتاج الصنم. تبدأ القصّة حين نولد في الفقر ، تحته بقليل أو فوقه بقليل ، ليس هنالك فرق كبير ، نعيش السلام الى حدود اليوم الذي نربط فيه أول حرفين لتكوين كلمة و مع أول سؤال تنطلق المعركة ، يبدؤون في حصارك و لحمايتك من الخطيئة يرتكبون أكبر الخطايا ، يعدمون عقلك تدريجيا و يلقنونك عرف القطيع. إيّاك أن تكون مختلفا بينهم ، إيّاك أن ترى أشياء لا يروها ، إيّاك أن تبحث عن شيء فهم سيعلمونك كل شيء. سيلقنونك درسا في القناعة ، كن محافظا أو لا تكون ، التغيير بداية الخراب و عين الجنون لهذا عليك أن تكتفي بما يسردونه عليك في الكتب المدرسيّة ، سيقرؤون لك التاريخ بالمقلوب ، سيقولون أن شكري كان كافرا لذلك لا ينعت بالشهيد و أن جيفارى كان إرهابيا و مارقا يريد تحرير العبيد و تحطيم كل القيود. سيعلمونك كيف تكره النوّاب لأنه كان بذيئا و فوضويا و كيف تمقت غسّان لأنّه كان شيوعيا ، لن تستطيع بعدها أن تفهم شعر الماغوط و مكامن الغموض في شعر درويش . ستربّي على لسانك الرّيش و تكتفي بتلاوة القرآن دون فهمه ، فالتفسير من شيم العلماء هم وحدهم مخولون لقراءة ما خلف السطور ، لذلك لا تفكر في النزول الى المكتبة فلن تجد ما يفيد ، لقد أحرقت كتب ابن رشد لأنه سبّق العقل عن النقل و قطعت اوصال الحلاج لأنه توحد في حب الله . ضع عقلك جانبا و سر خلفهم للجهاد ، سر الى الجحيم مزهوا بسراب الجنّة ، الرصاصة الأخيرة لن تسمع صوتها ، لن تحس ألمها ، لكن هل سيغفر الله ذنبك ، ربما لست أنت المذنب الحقيقي لكنك لست بريئا الى هذه الدرجة.
سيّدتي هل عرفت الآن كيف يموت الحب في الصدور ، كيف تحوّل الإنسان الى عملة نادرة ، كيف يلفظ شعب عمره ثلاثة آلاف سنة آخر أنفاسه و يضيع في سراب الهويّة المبهمة ،سيّدتي جودي علينا بقليل من الحب ، إن الطريق طويل و الزّاد لا يكفي لمواجهة المصير . 

صفوان الطرابلسي 
نشر في جريدة ضد السلطة  

vendredi 15 février 2013

ثلاث رسائل على هامش السيرة


رفعت الأقلام و جفّت الصّحف ، انتهى القدر من كتابة المأساة و بدأ الظلام في اكتساح الطرقات و اغتيال الضمائر في الصدور. من يريد قراءة التاريخ فليترك معسكر المنتصرين و فخامة العناوين و ليقتفى رائحة البارود و أثر الدماء بين السطور ، وحدهم الشهداء وصلوا للحقيقة المجرّدة و وحدهم الجبناء من ييأسون في منتصف الطريق و يتفرغون بعد الهزيمة للبكاء .
الرّسالة الأولى: رفيقي الشهيد ، هل أعجبك الكفن ؟ هل هي دافئة أرض الوطن ؟ ترى ماهي أسئلة الملائكة عند استقبالك ، هل استجوبوك عن ما حفظت من قرآن ؟ أم عن ما فعلت من أجل تحرير الإنسان ؟  لا تحزن يا رفيقي و نم في سلام ، صورتك لازالت ترعبهم حتى بعد رحيلك ، رفاقك يحملون اللواء و رفض الجميع البكاء رغم عطش الجفون و الضمئ الناري في الضلوع . لا تحزن يا رفيقي ، فقد تركت خلفك امرأة بألف رجل و طفلة وقفت يوم تشييعك فوق نعشك رافعة راية النصر القادم في الأفق ، لا تحزن فقد رفضنا قبول العزاء ممن ليس لهم عزاء في وطن يعشقك ، خرجت الملايين وراءك و رفعت صورتك في كل ميادين الحريّة في العالم . أرادوا قتلك فخلّدوك ، كنت تغذي العزم فينا بالكلمات و اليوم بعد الممات صار ثأرك حافزنا لتصحيح مسار التاريخ ، و كما يقول النواب " علّمني وطني أن حروف التاريخ مزوّرة حين تكون بدون دماء " ، لن يستطيع أحد بعد اليوم التشكيك في نضالك و لا محوا اسمك من سجل عشّاق الوطن فما يكتب بالدم بين سطور الزمن لا تمحه أياد الغدر و النفاق .
الرّسالة الثانية :  الى حمّه الهمّامي و باقي الرّفاق ، " ذهب الذين تحبّهم ذهبوا/ فاما أن تكون/ أو لا تكون " شكري رسم لنا و لكم خط المسير بدمه الطاهر ، الصّراع اليوم صار من أجل البقاء ، الثأر يطول بطالبه و لكنّه لا يموت و الخوف لم يعد له معنى في قاموسنا ، لا مجال للمهادنة بعد اليوم و اليأس في هذا الظرف خيانة ، لم يعد مجال للصلح و لعب السياسة فكبرياء الرجال يأبى المتاجرة بدماء الشهداء . " لا تصالح و منحوك الذهب / ترى لو أفقؤ عينيك و أثبت جوهرتين مكانهما / هل ترى ؟ / هي أشياء لا تشترى ..." و نحن لن نشتري دم رفيقنا بدم رخيص ، لن نساوي بينه و بين قاتله الخسيس و لن نكتفي بمجرّد القصاص ، لن نعزف لحن الرّصاص بل سنكمل الطريق و على خطاه سنحرر هذا الوطن ، سنهديه حلما تقاسمناه ذات يوم ، سنهديه تونس بالف زهرة و ألف وردة و ألف ياسمينة كما كان يعشقها و يطمح أن يراها ترقص على ألحان الرّبيع .
الرّسالة الثالثة : الى شعب يسير الى جهنّم مظللا بحلم الجنة " يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء  / منحدرين في نهاية المساء / لا تحلموا بعالم سعيد / فخلف كل قيصر يموت / قيصر جديد / وخلف كل ثائر يموت / احزان بلا جدوى / و دمعة سدى ..."
اليوم لم يعد هناك مكان للنحيب على الماضي ، و ليس هنالك مصلحة في  النظر الى الوراء ، التاريخ كتب وانتهى ، لكن المستقبل لا يزال بين يديك و الصراع بات من أجل البقاء ، تعال لتنقض ما تبقّى من الانساني فينا و لتشعل نار الثورة في أرجاء هذا الوطن ، مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة و القيد لا ينكسر بضربة حظ عابرة ، فلتبحث أيها الشعب العظيم عن الثورة داخلك ، لا تنتظر قيام المسيح ، انها التضحية و الايمان الدّخلي بالحق في حياة كالحياة و لتذكر دائما ان " المحررين لا وجود لهم الشعوب هي من تحرر نفسها ..."

صفوان الطرابلسي 
نشر بجريدة ضد السلطة 
2013/03/09

samedi 2 février 2013

إنسان SOS

نهار الأحد نهار الكبّي والنوم.. نصبح راڨدة بعد جمعة قراية وتعب.. الأحد اللّي فات رصّاتي غاطسة في مستنقع النقد والتحليل.. استنتاجات.. مقارنات.. واسقاطات! تي ماهو أنا راقدة ونسمع في أمّي تبكي.. يا سلّاك يا سلّاك.. قمت نجري بتباطئ نلقاها تمسح في خناينها :
لاباس آش فمّا زادة ؟
! لايكا الكلبة ماتت
! أما كلبة ؟! أكا الكلبة العربي السّايبة في الحومة
طلّيت نلقى للّا لايكا غاطسة في دموماتها.. هبطت مسّيتها نلقاها مازالت تتنفّس: هذه مضروبة بالرشّ.. الشرطة البلديّة عاملة حملة.. مازالت تتنفّس، نادي الواحد من أولاد الحومة يهزّها وراء البلاص تكمّل اطّلع الرّوح..
! مازالت حيّة؟! يا ناري علاش يضربو فيها بالرشّ
ماجاوبتهاش ودخلت نكمّل في نومتي.. ضربو الرجّالة بالرشّ خلّي لايكا الكلبة..
جاني خليل ولد الجارة يبكي تحت راسي: أمان مش إنت طبيبة ـ يراني لابسة المنديلة البيضة ساعات، أما مانيش ـ أمان داويها!
سخّفني، خرجت معاه.. مش كان أمّي تبكي! الحومة فزعت.. صغار تتباكى.. نساء و رجال.. يا بوڨلب! شدتني هستيريا ضحك، لين أمّي نعتتني بالشرّيرة قدّام النّاس الكل.. ما فهمتنيش لواش نضحك (انتم فهمتو) ! أيّا ما نكثرّش عليكم دبّرتلهم نومرو
SOS animaux :
نحنا مقّرنا في نابل، أعملو نداء في صفحة الفايسبوك متاعنا.. لازم تلقاو شكون يجيبها غزرولي الكل فرد مرّة.. دخلت كي الخرّاية (باسم مستعار) و كتبت "نداء استغاثة" عطيت فيه معطيات أمي.. مش أكثر من عشر دقائق و نسمع فيها تتكلّم في التليفون وتوصف في ادريسة دارنا..
السيّد اللّي جاء مهندس إعلاميّة ما يتجاوزش عمرو 30 سنة، سيّارة فخمة.. تحمّل عناء الثنيّة من مڨرين لحيّ التحرير على خاطر للّا لايكا.. و زيد بش يهزّها للمداواة في نابل! أنا باقي نضحك وأمّي تتشوحرلي.. مافهمتنيش (انتم فهمتوني) !
صغار الحومة بصوت واحد: بعد ماتبرى ترجّعوها؟؟
جاوبهم عمّك الرّاجل بكل حزم: لازم توفّرولها مكان لائق تسكن فيه وتتعهّدو برعايتها وماكلتها ومداواتها.. ونحن نعملولكم زيارات فجئية كان نلقاوها ناقصة حاجة نفكّوها و نشوفو شكون يستبناها .
هنا أنا ماعاش نجّم و تثنيت بالضّحك.. لين أمّي نبزتني وقتلي أدخل برد عليك! أمي باقي مافهمتنيش (انتم فهمتو) !
عشيّة كاملة و أمّي في اتصال مع منقذ لايكا وبابنا ما ركحش كلّ مرّة يطبطب واحد يسأل عليها: الدكتورة روضة لاهية بيها، عملتلها السّيروم و نحتّلها الرشّ، كان تعدّي اللّيلة تمنع ..
نهار الاثنين أنا مروّحة من الفاك و يعرضني جارنا كي كنت صغيرة يخوّفني: يرحم بوك علّي عملتو مع الكلبة! ريناها في الفايسبوك بدات تتحسّن وكلات شويّة أما مسكينة عينها تعورت ..
رجعتلي هيستيريا الضحك.. صحّة ليها لايكا لقات شكون يتلها بها! دخلت شفتها نلقاها بالسيروم راقدة في فرش ومتغطية.. تاكل في اللّحم المفروم.. مع التصويرة نلقى التعليق الآتي :

"
Écrivez à vos maires, notre argent des impôts ne doit pas servir à ça"

نضحك.. نضحك وأمّي مافهمتنيش (انتم فهمتو) !! فهمتو أنّه الثورة القادمة لن تكون من أجل الكرامة والقضاء على الفساد!! ستكون ثورة من أجل رشفة ماء نظيفة وعلبة دواء لم تنتهي مدّة صلوحيتها ومسؤول واحد غير كاذب و آس.او. آس إنسان.. فهمتو لماذا هذا الاستنتاج؟

رحمة البلدي