samedi 12 janvier 2013

رحلة الموت و الحرّية


بينما يستعد سكّان العالم للإحتفال باستقبال سنة جديدة  يصوغون على شرفها أمنياتهم و يبحثون في أفقها عن سبب للتفاؤل ، كان الصيّادون القراطن في جزيرة قرقنة من الجنوب التونسي يكتبون وصاياهم على حائط الميناء و يجمعون ما تبقّى من شبك الصيد و معدّاتهم المهترئة ،.عازمون على المضيّ قدما في رحلتهم المأساوية، "رحلة الموت والحرية".
قبل أن تخترق خيوط الفجر الأولى صفحة الأفق ، بدأت الجماهير بالتوافد على ميناء الصيد الصّغير . رجال و نساء ، شيوخ و كهول و شباب ، حتى الأطفال و الرّضّع حجز لهم مكان في موكب الوداع العظيم . وقف الجميع على الرّصيف ، منهم من عزم على المشاركة و بدأ في تجهيز المراكب و منهم من لازال يتشبّث بخيط رقيق من الأمل و يحاول اقناع رفاقه بالعدول عن خوض المغامرة أما البقيّة فقد وقفوا ساهمين مكتفين بذرف دموع الحرقة و الدّعاء .
حين  ترى المشهد من الخارج ، من فوق سطوح المنازل المجاورة ، ستظن أنك تشاهد الميناء في ذروة موسم صيد القرنيط ، جلبة كبيرة ، اكتظاظ و صياح و تدافع ، موسم تزهو فيه النفوس و تكثر فيه المنافع و فيه  يحيي الصيّادون مهرجانهم العريق ، لوهلة قد تصدّق خيالاتك لكنك تتذكر فجأة ديسمبر2010 حيث تحدّى البحّارة التدجيج الأمني مانعين انتظام الحفل الإفتتاحي لمهرجان القرنيط وذلك لذات الأسباب القائمة إلى حد اليوم . تنزل الى الرصيف ، لا تسمع فيه كما تعوّدت صوت الغناء ، لا ترى الصيّادين يرقصون على أنغام "المزود" و لا تسمع نكاتهم البذيئة و قهقهاتهم الصاخبة ، لن تراهم اليوم يدللون على قفاف غلّتهم و لن ترى المشترين يتزايدون في صراع . سيصدمك تذمرهم و سخطهم فتتجلى آلامهم في عيون أطفالهم و ميل زوجاتهم للبكاء في صمت .
ترفع عينيك لتقرأ لافتة علقها شاب على أحد المراكب " نهج لروما و لا حقرة الحكومة " . شيخ يقف الى جانبك ، سأله أحد الصحفيين قبل أن يذهب لتوديع ابنه عن الرسالة التي يريد أن يوجهها للمسؤولين فأجابه بعد أن سحب نفسا عميقا من سيجارته الرّخيصة : " زيدوا أرقدوا ، الكيس دمرنا و جوّعنا ، هانا باش نهجوا و نخليوهالكم واسعة وعريضة "  . عجوز أخرى بين الحشد تندب حظّها محاولة منع ابنها الشاب من الصعود الي المراكب التي يجهزها الصيّادون للإنطلاق . دعوات يطلقها الشيوخ على الظالمين و شتائم ووعيد بالإنتقام من المسؤولين تسمعها على لسان الشباب . كلما تقدّمت أكثر بين حشود الجماهير كلما التحمت بأفكارهم و غمرتك قصّتهم ، بسيطة و مؤلمة تجسد واقعنا المبتذل ، صيّادون بسطاء على مشارف الموت جوعا ، و مسؤولون أغبياء ينامون في العسل مع بارونات المال الفاسد . المراكب الكبيرة التي تعتمد الصيد "بالكيس" أو "الكركارة " صحّرت البحر و قضت على لقمة عيشهم و ثروة شعب بأكمله ، مراكبهم الصغيرة و معدّاتهم البدائيّة لا تمكنهم من منافستهم أو دخول الأعماق مثلهم و الحكومة تغظ في سبات عميق متعمد و لا مجال لجعلها تستفيق فممثلوها الجهويّون إما متواطؤون أو في أفضل الأحوال عاجزون عن اتخاذ أي قرار .
سأل مدوّن يحمل آلة تصوير أحد المنظمين لهذه الرّحلة :" هل استنفذتم كل أساليب النضال ؟ ألم يعد أمامكم سوى الهجرة الجماعيّة؟ "
ابتسم الرجل رغم يأسه و حنقه البادي على محيّاه :" نحن ننبح كالكلاب منذ سنوات ، منذ عهد المخلوع ، لم يسمعنا أحد ، اليوم البحر على مشارف التصحّر و نحن لا نملك من المعدّات ما يمكننا من الدخول للأعماق ، نرى لقمة عيشنا و خبز عيالنا يضيع ، السلطات تتجاهلنا و صيّادو الكيس يهددوننا ، هذا الوطن لم يعد لنا أصلا ، هل تعرف ماذا رد الوالي حين سمع عن عزمنا الهجرة ، دعهم يموتون في البحر ، بكل برودة دم ثم أمر أمن السواحل بأن يتبع الرحلة الى المياه الإقلميّة و يطبق علينا القانون اذا تجاوزنا الحدود . نحن نعلم أن هذه الرحلة ضرب من الجنون فحتى "الطّليان" رفضوا استقبالنا ، لكننا مصرّون على عزمنا ما دام هذا التجاهل مستمرا تجاه قضيّتنا ، وعودهم الكاذبة لم تعد تكفينا ، نحن في حاجة الى الخبز لا الى خطابات و وعود "
أتم الصّيادون تجهيز المراكب ، إلى هذه الساعة لم يبادر مسؤول بزيارة المكان ، لم يكن بالميناء سوى العمدة و بعض المسؤولين الأمنيين ، يراقبون من بعيد في صمت متحفزين لرد الجماهير أو ربما متعاطفين مع مأساتهم . الحادية عشر صباحا ، إنطلقت رحلة الموت ، أكثر من مآئة مركب صعد على متنها مئات من الرّكاب ، عائلات بأكملها قررت الرحيل، لا بديل: "يا حشاد يا حشاد الأهالي غادروا البلاد "
تنويه : ربما حين ستصلك هذه السطور لن تلقي لها بالا ، ستمر عليها كخبر عابر في موجز الأنباء او ربما لن تتجاوز قراءة عنوان المقال و أنت تحتسي قهوة الصّباح لأنك تعلم مسبقا أن المسؤولين سيتوصّلون عاجلا أو آجلا بطرقهم الملتوية  إلى إتفاق ، سيقدّمون وعودهم الواهية و رزمة من الأحلام تعين الصّيادين على الصمود و و في اقصى الأحوال سيفي قليل من الإرهاب و الترهيب بالغرض .
لكن من المؤكّد سيعيد أحفادنا قراءة التاريخ الحقيقي الذي ستسجّله الهوامش و سيعرفون أن في عصر أقوى حكومة على مرّ التاريخ قرر شعب عمره أكثر من ثلاثة آلاف سنة أن يترك أرضه ليفتتح موسم الهجرة الى المجهول هربا من الظلم و الجوع .

صفوان الطرابلسي
نشر في جريدة ضد السلطة 10/01/2013

jeudi 10 janvier 2013

منفستو جانفي

اليسار فدائي وملاذي الأخير، اليسار الشيوعي، الإشتراكي، الماركسي اللينيني، اليسار الذي أهدى للعالم الثورات العارمة البهية، اليسار الذي صارع من أجل حقوق الطبقة الكادحة، اليد العاملة، اليسار الملتحم والمتكلّم باسم الأغلبية المنتجة، اليسار الحالم بالمساواة والكرامة والحرية، اليسار التقدّمي، المعرفي، الجدلي، اليسار المتحفّز للحركات النسويّة، المقاوم للتمييز بين الجنسين والضارب للعقليّة الأبوية ولاحتقار المرأة، يسار الحركة النقابية،الحركة التي أعطت تونس هويتها الحقيقية ونبذت الهوية العرقية والعنصرية والدينية التي طالما ألصقت بنا.
نحن شعب اليسار، شعب النقابات والنسوي والإنساني،ضد العولمة والراسمالية وقانون السوق مع الانسان كقيمة ومعيار. هذا الشعب الذي أطّر في كل دوار ودشرة وقرية ومدينة، ثورة البوعزيزي العصريّة المتقدمة على كل الثورات. يسار المعطّلين عن العمل.
نحن أبناء محمد علي الحامي والطاهر الحدّاد أباء الثورة. أبناء عبد الرحمان الكافي، شاعر الملزومة الكافيّة، أبناء القرمادي صاحب اللّحمة الحيّة لحبيب الشابي صاحب
La fêlure، التصدع.أصدقاء « زاباتا » و »لومامبا » و »غيفارا ». لنا نشيد من وحي كاتب ياسين أبو « نجمة ». إنّه يسار حمّة الهمامي وشكري بلعيد وجلال بن بريك ورضا لينين، ومحمد الكيلاني وعبد الرزاق الهمامي ومحمد جموز…يسار ﭬرامشيولوكاتشوإتالوكلفيوينووبرتو لدبراشت وبابلو نيروداوﭬيديبور.شعر أراﭬون وروايات قوركي وفكر أكتافيوبازو سينما بازوليني كم تغنينا بساكو وﭬانزيتي. كم نحتاج إلى « وضوح رؤية » اليسار زمن تغلغل الفكر الإستبدادي الفاشي. أذكركم بالأمل الذي أرسته الجبهة الشعبية الفرنسيّة إبان الحرب العالميّة الثانية، زمن صعود الفاشيّة والنازيّة وحملة فرانكو على الجمهورية الإسبانية. لتحيا جمهورية اليسار والسقوط للامبريالية.
هللجمهورية اليسار هذه حظ التواجد اليوم وسط شعب تونس، هذا الشعب الذي في أغلبيته المطلقة له نفس المصالح والطموح والهموم والمعاناة… ونفس الأعداء كذلك؟يسارلا يغازل شعبه بالترهات والخزعبلات والوهم والشعوذة الفكرية و اللغو الخاوي و الفصاحة المرصعة بالكذب و الزيف و البهتان…إنه لا يبيع ذمته حتى وإن ومنحوه صكوك الجنّة والغفران، يا أنبياء العذاب الأليم. إن اليسار التونسي بفصائله المختلفة والمتعدّدة، حزب العمال، اجنحة الوطنيون الدمقراطيون، الترتسكيون، المجالس، هو الطرف الوحيد على الساحة السياسية الذي يطرح في خطابه وبرنامجه مشاكل وحاجة الناس في الواقع: القدرة الشرائية، الصحّة، السكن، التعليم، الشغل، النقل، المساواة، الحريات، المعرفة والعلم والإبداع و الحق في وقت للهو و اللعب و الإمتاع و المؤانسة و الضحك « باليطاش » و البكاء حينا ،يدافع عن الشّغيلة ويضمن حقوقهم، إنه مع دولة الأغلبيّة ضدّ دولة الأقليّة. أعداؤه هم أعداء الشعوب: سلطة السلاح وسلطة المال وسلطة نظرة الجمهور للدين. مع دولة العدالة ضدّ دولة الإغتراب واللاّمساواة. مع السعادة ضدّ التعاسة. مع فرض دولة تقدّمية ضدّ دولة الرجعيّة. مع العصر ضد الماضي. مع المعرفة ضدّ الجهل.
هل هذا الفصيل المتقدّم، الواعي، الإنساني والثوري له مكانة في تونس الآن وهنا؟تونس الآن وهنا؟ تونس تنتمي إلى قارة متخلفة جغرافيا وتاريخيا وسياسيا وإقتصاديا وثقافيا. شعب لا يقرأ، شعب لايفكر، لا تزال الخرافات البالية، خرافات أمي السيسي ورأس الغول، تحكمه، لا يؤمن بالعقل والمعرفة.شعب تحكمه الروابط العشائرية والعرقية والعادات والتقاليد.شعب يثور مع اليسار ويصوّت مع اليمين، يجهل مصالحه. شعب يرفع إلى سدة السلطة أعتى أعدائه ويعادي من يدافع عن قوته وكرامته وحريته. شعب يستنزفه الأثرياء ويحكمه السفسطانيون والأئمة، والانذال والسفلة. سقط المتاع وباعة الخدر. « ليتني كنت كالسيول ان سالت / تهد القبور رمسا برمس ».
إن اليسار التونسي لا مكان له في هذه التربة الحجريّة،خلا وقفار، خربة، اليسار يتواجد في مناطق تؤمن بالعصر والعلم والتقدّم، مثل أوروبا وجنوب آسيا وخاصة جنوب أمريكا حيث « براءة الإختراع » والمغامرة وهيمنة الفيزياء وأفول الميتافيزيقا.إن الملجأ الوحيد لليسار التونسي، ليكون له موقع في هذا المستنقع من الخراء، أن يتحالف مع التعبيرات السياسيّة العصريّة لدحض الملاّت والطوائف القروسطيةولإنقاذ البلاد من الردة والإنتكاس والغرق في اللاّمعقول. اما ثورة واما ارتداد اما ثورة واما ارتداد… ثم نرى.إنّ اليسار التونسي، بقيمته المعنويّة ووزنه النضالي يمكن أن يقلب الموازين ويعطي النصر للقوى العصريّة… حتى وإن لم تكن تقدميّة، قبلتها اليمين. ولكن هذا التحرك الثوري الواعي يتطلب من القادة (حمّة وشكري وجلال بن بريك), نضجا سياسيا وشجاعة وحنكة في التموقع والمناورة وفي الكر والفر وقلب الهزيمة انتصارا. لتتضح الرؤيا ونستخلص إستنتاجا بسيطا وساذجا : لفظ جماهيري لا لبس عليه لسلطة حزب النهضة.ﺃتساءل كيف لم تتفطن النخبة العضوية لهذا المعطى الأساسي في معادلةالرّبح والخسارة ؟ هنا تكمن كبوةالجواد…
اليساري الحقّ هو المتمكّن من أدوات التحليل والإستقراءوالإستنتاج ودقة التمحص والنبوغ الوضاح
LA LUCIDITE، صاحب العقل الجدلي الذي ينير السبيل. كلام أبجدي أن نستخلص الدّرس، ونقوم بالمناورة الصحيحة، حسب إمكانياتنا المتاحة.التحالف ثم التحالف وحمل المعركة إلى قلاع وأرض العدوّ… من هنا نبدأ . إنّ البلاد في أشدّ الحاجة لموقف جريء وحاسم، لحسم المعركة. فلا تخيبوا ظنّ الجميع. إنها مسألة حياة أو موت.فانهضوا ينهض بكم الشعب.الأمل بيدكم. والغبطة كذلك. لا تخونوا الوعد والموعود. وإلاّ سنقيم عليكم الحدّ. قهقهة غبي ظن أن الغول خرافة.

بقلم توفيق بن بريك

الشحاذ لأنطون تشيخوف


- ” سيدي الرحيم، كن أكثر عطفاً للاستماع إلي رجلٍ فقيرٍ جائع. لم أذق طعاماً منذ ثلاثة أيام، وليست لديَّ خمسة كوبيكات لأقضي ليلتي في النزل. أقسم بالله، طيلة خمسة أعوام كنت مديراً لمدرسة وخسرت وظيفتي بسبب مكيدة دبّرها لي” زمستفو” . كنتُ ضحية شهادة غادرة. وها أنت تراني خارج مكاني المفترض، منذ عام.”
نظر” سكفورتسوف” محامي مدينة بطرسبورغ إلي المتحدث بمعطفه الأزرق الداكن الموحل والمتهريء، إلي عينيه المترقرقتين بتأثير خمرة عبّها، إلي البقع الحمر علي وجنتيه. خامرهُ ظن أنه رأي هذا الرجل من قبل.
- ” الآن عُرِضَ عليَّ عملٌ في مقاطعة كالوكا”. .. واصل الشحاذ حديثه” لكن ليست لديَّ الوسيلة للوصول إلي هناك.. لذا بكل تهذيب أرجو مساعدتكم.. اشعر بالخجل لمناشدتكم، لكن الظروف تجبرني علي ذلك”.
طالعَ سكورتسوف حذائي الشحاذ. كانت الفردة الأولي مسطحة تشبه حذاءً عاديّاً فيما الأخري لها عنق يرتفع إلي وسط الساق.. وفجأة تذكّر:
- ” اسمع! يوم قبل البارحة قابلتك في شارع سادوفوي”. .. قال المحامي” هناك لم تقل لي انك مدير مدرسة قروية ؛ بل قلت أنك طالب فُصلتَ من الدراسة، أتتذكر ذلك؟” .
- ” كـ…لا. كلا. ذلك لا يمكن أن يحصل!” راح الشحاذ يدمدم بارتباك”. أنا مدير مدرسة قروية , وإذا رغبت أظهر لك وثائق تثبت ذلك”.
- كذبك هذا يكفي! ادعيت انك طالبٌ، وأخبرتني حتي بأسباب فصلك.. أتتذكر؟
احتدمت أعماق سكفورتسوف وبدت سيماء احتقار علي وجهه تجاه الرجل الرث.
- هذه وضاعة”. . صرخ غاضباً” هذا خِداع! سأسلّمُكَ إلي البوليس. اللعنة عليك!.. أنت فقير وجائع، لكن ليس لك الحق في أن تكذب بلا حياء!” .
امسك الرجل الرث قبضة الباب كما لو كان طيراً يقع في فخ وراح يطالع ما حول القصر بيأس.
_ أنا… أنا لستُ كذاباً”. دمدمَ ” لدي من المستمسكات ما يثبت ذلك”.
- مَن يصدقُك؟” استمر سكفورتسوف ولما يزل ساخطاً” أنت تستغل عاطفة الناس مسيئاً لمدراء المدارس الريفية وللطلبة…. إنها وضاعة شديدة، ودناءة، وقذارة !.. استغلالك هذا مثيرٌ للاشمئزاز.
اعتري سكفورتسوف غضب عارم متوجها بالتوبيخ الخالي من الرحمة إلي الشحاذ بينما انبثقت في نفس الشحاذ غطرسة كاذبة معبرة عن مقت واشمئزاز، مُظهراً استياءً بما يحبه سكفورتسوف وما يختزنه من شفقة ومشاعر قلبيه وعاطفة تجاه شخصه غير السعيد. بكذبه الصارخ، بهجومه الغادر علي الحنو الذي يمتلكه الشخص دنس الشحاذ الصدقة التي كان من المقرر أن يمنحها للمساكين دون خشية في قلبه. في بداية الأمر دافع عن نفسه واحتج، مصاحباً احتجاجه بقَسمٍ، لكنه غرق بعدها في الصمت مطأطئاً رأسه، محاولا السيطرة علي خجله:
- ” سيدي”. واضعاً يده علي قلبه” أنا حقّاً كنتُ… كاذباً! أنا لستُ طالباً ولا مديراً لمدرسة ريفية. كل ذلك مجرد اختراع منّي! لقد كنتُ سابقاً في الجوقة الروسية لكني طُردتُ بسبب إدماني علي الخمر. لكن ماذا أفعل؟ صدقني والله، لا استطيع العيش بدون الكذب.. عندما أقول الحقيقة لا أحد سيساعدني. الحقيقة سيموت الإنسان من الجوع، وسيتجمد إن لم ينم ليله في النزل!.. ما قلته صحيح ؛ افهم ذلك، لكن… ماذا عليَّ أن أفعل؟
- ” ماذا عليك أن تفعل؟ تسأل ماذا عليك أن تفعل؟” صرخ سكورتسوف، مقترباً منه” اعمل.. هذا ما عليك فعله! يجب أن تعمل!” .
- ” أعمل… أعرف ذلك. لكن أين احصل علي العمل؟
- هراء.. أنت شاب قوي ومتعافي، وبإمكانك الحصول علي أي عملٍ إن أردت. لكنك تعرف في قرارة نفسك أنك متكاسل، مُدلل، سكّير! تفح الفودكا مثلما يفح” قوري” الشاي ! أصبحتَ فاسداً ويغور خطؤك حتي نخاع عظامك، لم تعُد تصلح لشيء، فقط للشحاذة والكذب!.. لو أنك سعيت بلطف للحصول علي عمل لحصلتَ عليه في مكتب مثلاً، في الجوقة الروسية، أو كصانع بيليارد حيث ستحصل علي مرتّب فلا جهداً كبيراً ستبذل. لكن هل ترغب أن تشتغل عاملاً يدويّاً؟ سوف أضمن لك هذا، لن تكون حمّال بيت أو عامل مصنع. أنت أنبل من أن تكون كذلك.
- ” أحقّاً ما تقول؟” . تكلم الشحاذ مُبدياً ابتسامة سخرية ” كيف أكون عاملاً يدويّاً؟” فات الوقت الذي أكون فيه عامل في دكان. والعمل في التجارة يستدعي أن تبدأ المهنة وأنت صغير.. ولا احد سيشغلني حمّال بيت لأني لست من هذا الصنف… لم أكن قد عملت في مصنع مسبقاً أما التجارة فيجيدها شخص يعرفها.
- هُراء! دوماً تبحث عن مبررات التهرب. ألا ترغب أن تكون قاطع أخشاب؟
- ” لا ارفض ذلك، لكن عمّال قطع الأخشاب أنفسهم الآن عاطلون عن العمل”.
- أوه، كل العاطلين يجادلون بمثل ذلك. فحالما يُعرض عليك مقترح ترفضه.. هل ترغب بأن تكون قاطع أخشاب عندي؟
بالتأكيد أرغب.
- جيد جداً.. سوف نري… ممتاز. سنري” بعصبية وامضة وبلا سرور متخابث فرك سكفورتسوف كفّيه مستدعياً طبّاخته من المطبخ.
- ” تعالي، يا أولغا.”.. قال ” خذي هذا السيد إلي السقيفة ودعيه يقطع لنا بعض الأخشاب”.
هز الشحاذ كتفيه بحركة يريد منها إظهار لا مبالاته رغم ارتباكه.وبلا رغبةٍ تبع الطبّاخة. كان واضحاً من تصرفه أنه وافق أن يذهب ويقطع الأخشاب لا لأنه جائع ويبغي كسبَ مالٍ بل لأنه ببساطة يبغي احترام الذات وتجنّب خزيٍ سيلحق به إن رفض عرض الرجل المحامي ؛ كذلك لأنه أعطي كلمته في الرغبة بالعمل. ومن الواضح أيضاً أن موافقته جاءت جراء معاناة صنعها له الإدمان علي شرب الفودكا ما جعله عليلاً، يبعده الدوار عن كل مَيلٍ للعمل.
أسرع سكفورتسوف إلي غرفة الطعام. ومن النافذة المطلة علي الفناء استطاع مشاهدة سقيفة الخشب وكل شيء يحدث في الفناء. منتصباً عند النافذة أبصر الطباخة والشحاذ يظهران علي الطريق الخلفي في الفناء ويتجهان عبر الطريق الثلجي الموحل إلي سقيفة الخشب. فتحت أولغا الباب بطريقة عنيفة.
- ” علي الأغلب قطعنا علي المرأة تناولها القهوة.” فكّر سكفورتسوف” أي مخلوقة محرومة هذه المرأة!”
شاهد مدير المدرسة المزيف والطالب المزيف يجلس علي كتلة من الخشب، محنياً خديه الأحمرين علي قبضتيه، غارقاً في التفكير. رمت الطباخة فأساً عند قدميه باصقةً بغضب علي الأرض. غضب تظهره تعبيرات شفتيها، منهالةً عليه بالسباب. سحب الشحاذ زند الخشب إليه بلا رغبة. ثبَّته بين قدميه، وبحياء مرَّر الفأس عبر الزند، فتداعي الزند وسقط. سحبه إليه ثمَ نفخ علي كفيّه المتجمدين ؛ ومرّةً أخري مرر الفأس عليه بحذر خشية أن يضرب حذاءه أو يقطع أصابع قدميه. سقط الزند مرةً أخري.
تبدد غضب سكفورتسوف تلك اللحظة وهو يرمق هذا المشهد. شعر بالخجل والحسرة معتقداً أنه اجبر المدلل السكير الذي قد يكون مريضاً من الصعب عليه أداء عمل صعب كهذا، في يوم بارد كهذا.
- ” لا تبالي. دعه يستمر في عمله…..” فكّر متحركاً من غرفة الطعام إلي المكتبة” افعل ذلك لصالحه!”
بعد مرور ساعةٍ ظهرت أولغا معلنةً إكمال تقطيع الخشب.
- إذاً. أعطه نصف روبل.”.. قال سكفورتسوف.” إذا رغب دعيه يأتي ويقطع الخشب بداية كل شهر….. سيكون ثمّة عمل دائم له”.
في بداية الشهر ظهر الشحاذ، ومرة أخري حصل علي نصف روبل علي الرغم من أنه لم يبق طويلاً. منذ ذلك الوقت ظل يواصل المجيء فيجد العمل ينتظره. بعض الأحيان كان يقوم بمهمة كنس وإزاحة الثلج من علي كومة القش أو تنظيف السقيفة. وفي عملٍ آخر يقوم بضرب السجّاد والافرشة. صار دائما يستلم ثلاثين أو أربعين كوبيكا لقاء عمله، ولم يعُد يتلقي بنطلوناً قديماً في أية مناسبة.
عندما انتقل سكفورتسوف طُلـِب منه المساعدة في حزم ونقل الأثاث. في المناسبة تلك كان الشحاذ وقوراً وعابساً وصامت. نادراً ما يمس الأثاث، ويمشي برأسٍ متدلٍّ خلف العربات حاملة الأثاث ولم يظهر أنه منشغل بالمهمة الموكلة إليه، يرتجف من البرد فحسب، ويسيطر علي ارتباكٍ جرّاء ضحك العمال المرافقين للعربة علي كسله وخموله وسترته الرثّة التي كانت يوماً ما تعود لرجلٍ نبيل.
- ” حسنا.. أري أن كلماتي أثَّرت به”. قال سكفورتسوف وهو يناوله روبلاً” هذا مقابل عملك. أري انك غير ثمل ولا نافرٍ من العمل.. ما اسمك؟
- ” لوشكوف.”
- أستطيع أن أوفر لك عملاً أفضل غير منفر، يا لوشكوف.. هل تستطيع الكتابة؟
- ” نعم سيدي”.
- ” إذاً اذهب غداً بهذه التوصية إلي زميلٍ لي وسيعطيك بعض النسخ لنسخها. اعمل بجد ولا تشرب، ولا تنسي أيضاً ما قلته لك.. إلي اللقاء”. .
سُرَّ سكفورتسوف لوضعه ليشكوف في الطريق المستقيم، رابتاً علي كتفه بلطف ومصافحاً له عند المغادرة.
تناول ليشكوف الرسالة وغادر.. ومنذ ذلك الوقت لم يحضر إلي الفناء الخلفي لبيت سكفورتسوف أبداً.
عامان مرا علي ذلك.
وفي احد الأيام ؛ وفيما كان سكفورتسوف واقفاً عند مكتب بيع بطاقات الدخول إلي المسرح يهم بدفع المبلغ المستحق لشراء تذكرة أبصر إلي جانبه رجلاً ضئيل الجسم بياقة فروها من جلد الحمل، يعتمر قبعة رثّة من جلد القطط. بجبن طلب الرجل من قاطع التذاكر تذكرةً، دافعاً بعض الكوبيكات.
- ” ألست أنت ليشكوف؟” توجه سكفورتسوف بالسؤال إلي الرجل الضئيل مدركاً أنه قاطع الأخشاب السابق.” حسنا، ماذا تعمل الآن؟ هل تسير الأمور علي ما يرام؟
- ” جيدة جداً.. أعمل الآن في مكتب كاتب العدل. واكسب خمس وثلاثين روبلاً ” .
- ” حسنا.. شكراً لله، أنا مبتهج لأجلك. سعيد، سعيد جداً يا ليشكوف. أتعرف أنك بطريقة ما مثل ولدي. فأنا مَن أرشدك إلي الدرب الصواب. هل تتذكّر أي توبيخ كنت أوجهه إليك؟ كنت ذلك الوقت تغوص خجلاً في الأرض.. حسناً. أشكرك يا عزيزي علي تذكرك لنصائحي”. .
- ” شكراً لك أيضاً” قال ليشكوف” لو لم أجيء إليك يوماً لربما بقيت لحد هذا اليوم أدعي بأني مدير مدرسة أو طالب. نعم في بيتك تمَّ إنقاذي وتسلقي خروجاً من الحفرة.
-  ” أنا مسرور. مسرور جداً” .
شكراً لكلماتك العطوفة ومآثرك. ما قلته ذلك اليوم رائعاً. أقرُّ بحسن صنيعك وصنيع طبّاختك. ليباركها الله. امرأة ذات قلب نبيل. ما قلته تلك الأيام كان رائعاً. أنا طبعاً ممتنُّ لك طالما أنا علي قيد الحياة لكن أولغا طباختك هي التي أنقذتني.
- ” كيف ذلك؟
- ” كيف؟.. كنتُ ما أن أجيء إليك لتقطيع الخشب حتي تبدأ هي:” آ، يا سكران ! يا تمبَّل، يا مَن لم يأخذك الموت لحد الآن!” . بعدها تخطو لتقف قبالتي راثيةً، محدقة في وجهي ونائحة:” أنتَ شخص غير محظوظ! لا تملك شيئاً من السعادة التي في هذا العالم، وفي المقابل سيصلونَك في النار السعير أيها السكّير المسكين! أنت مخلوق فقير وحزين!”. لقد كانت دائماً تخاطبني بهذا الأسلوب. كم كانت تُقلق نفسها َ، وكم مرة ذرفت الدموع لأجلي، لا أستطيع أن أخبرك َ. لقد أثَّرت بي كثيراً فجعلتني أتغيّر. كانت تتولي تقطيع الخشب عوضاً عني. هل تدري يا سيدي كم تغيّرتُ، وكيف تخلّيتُ عن الشرب. لا استطيع الشرح. فقط اعرف ما كانت تقوله، والسلوك النبيل الذي سلكَته في تصرفها معي فدفعني إلي التحول من أعماق روحي. لن أنسي حسن صنيعها… أنه وقت الدخول. الجرس علي وشك أن يُضرب”.
انحني لوشكوف احتراماً، وتحرك صوب صالة العرض

samedi 5 janvier 2013

عيادة سجن المرناقيّة

كان الدكتور عماد الطبيب المستحدث الانتداب جالسا إلى مكتبه في قسم الإستعجالي، يحاول التغلب على ساعات الليل الثقيلة بالاستماع إلى أغاني فيروز و ارتشاف فنجان قهوة مرّة ، يطالع بين الحين و الآخر بعض الأخبار على الفايسبوك أو يحاول حل رزمة من مجلات الكلمات المتقاطعة . ضلّ على هذه الحال من الاسترخاء حتى باغته ممرّض ليخبره أن إدارة السجون أرسلت لهم سجينا  في حالة احتضار  . دخل الغرفة مسرعا ، وجد المساعدين يقومون بالإسعافات الأوليّة ، قدّم له أحد أعوان الأمن الملف الطبي ، استلمه ثم طلب منه عماد مغادرة الغرفة .
قرأ عماد الملف بتأن و ما ان وقع نظره على الاسم حتى خالجه بعض الشك ، قفز إلى ذهنه خبر قرأه بأحد المواقع عن حالة تعذيب شاب من مكثر محبوس في سجن المرناقية بسبب قضية كيدية اثر خلاف مع مسؤول جهوي  ، استغرب من حالة التعتيم التي تهيمن على الحالة رغم خطورتها  . رفع ناظريه عن الأوراق ، وجد رئيس الممرضين واقفا عند السرير باديا عليه التّشنّج بينما المساعدون يقومون بالإسعافات ، كان قد عاين الكثير من هذه الحالات و خصوصا في بداياته عندما كان ممرضا في عيادة سجن 9  أفريل ، نظر إلى الطبيب بقلق :" الحالة صعبة جدا ، آثار التعذيب واضحة ، لا أتصوّر أنه سيتمكن من تجاوز هذه الليلة ."
اشاح الطبيب الشاب بنظره عن الممرض محاولا إخفاء ارتباكه و انطلق في فحص السجين دون أن ينطق بكلمة ، الكدمات و الجروح منتشرة في كامل أنحاء الجسم و قد تعفنت جرّاء الاهمال ، يبدو أنه على هذه الحالة منذ ايام ، يتنفس بصعوبة بالغة نظرا لكسر في ضلوعه ، لكن الشيء الوحيد الذي حير الطبيب هو هذا الثقب الذي ينزف في الأذن اليمنى و الانتفاخ في الكليتين و الركبتين ، يبدو أن الوضع في حاجة الى فحص دقيق و مطوّل ، خصوصا و أن الحالة في تراجع منذ وصولها .
نظر إلى زميله ، هز رأسه  ، كتب شيئا على دفتر ثم بادره قائلا :" أريدك أن تشرف على الحالة بنفسك ، سأعود إلى المكتب لكتابة التقرير الأولي ، الحالة خطرة ، و قضيته لها أبعاد سياسية ، لا نريد أن نتورّط في أي مشاكل ، احرص على أن لا يدخل أعوان الأمن إلى الغرفة  و لا تعطهم أي معلومة شافية ، حالة التعذيب واضحة و سيسعون جاهدين لإخفائها، لا تترك لهم الفرصة  "
رد الممرض بعد زفرة طويلة :" لا عليك ، عايشت بعض هذه الحالات في السابق ، أعرف كيف أتصرّف ، و على ذكر التقرير ، لقد أخبرني أحد الحرّاس أنه يتبول الدم منذ أيام و قد رفضت ادارة السجن السماح له بزيارة العيادة ، شيء آخر، حينما وصل كانت معه حقيبة صغيرة بها بعض الأدوية لكنها لم تكن قد استعملت بعد " 
-" من الواضح أنه قد تم تعذيبه بشكل وحشي و ممنهج ، إهماله كان مقصودا ،  لو كانوا عرضوه على الطبيب منذ البداية و تلقى العلاج ما كان سيصل الى هذه الحالة ، اذا تمكن من الصمود الى الغد سنجري له فحوصات الأشعّة و مجموعة من التحاليل  ، الله الستّار ، تابع الحالة جيّدا ، هذه قائمة الأدوية ، أنهي التقرير على جناح السرعة و أعود "
دخل عماد مكتبه ، فتح حاسوبه و بحث عن الخبر الضّائع ، نقّب قليلا بين الصّفحات و أخيرا وجد المقال ، كان قصيرا في شكل خبر عابر " شباب حزب العمّال يحتجّون أمام وزارة الدّاخليّة إثر تعرض رفيقهم نبيل عرعاري للتعذيب على يد أعوان الأمن وتعكّر حالته الصّحيّة نتيجة حرمانه من العلاج " لم يعد هناك مجال للشك ، انّه الشخص الذي يحتضر في الغرفة المجاورة .

انطلق عماد في كتابة التقرير ، حاول جاهدا التركيز على عمله و التعامل معه كأي مريض عادي  ، لكنه لم يستطع السيطرة على مشاعره . توقف منذ الجملة الأولى  ، كان يشعر بإحساس غريب ، مزيج من القهر و العار . نظر الى نفسه في المرآة باحتقار ، آلاف الأسئلة تهاجمه دون رحمة ، ترى ما الذي اقترفه هذا الإنسان حتى ينتهي به المطاف الى هذا المصير ؟ أي نوع من الكائنات هذا الذي يعذب انسانا حتى الاحتضار و يمنع عنه العلاج الى أن يفوت الأوان ؟ أي بشر نحن الذين أدمنّا الصمت و العجز و لم يعد لنا من وسيلة للمقاومة سوى البكاء ؟  حتى من ظنناهم يناصرون الضعفاء ، بان بالكاشف أنّهم لا يساندون سوى القضايا الرابحة فهم لا يبحثون عن الحقيقة الاّ إذا كان وراءها آلة تصوير توثّق بطولاتهم الواهية . لكن السؤال الجوهري الآن ، هل ستسمح لنفسك بالصمت عن هذه الجريمة ؟ هل ستقتل الإنسان داخلك و تسمح بتشويه الحقيقة ؟ أنت تعرف جيّدا أن أمثال هذا  المسكين لا يملكون قنواتا تلفزيّة و لا منظمات برجوازية تساندهم في قضاياهم ، هم لا يملكون سوى الحقيقة المرّة و ألم الحرقة و عزيمة دافعها الحقد على الظلم و رغبة جامحة في الإنتقام ، أنت الآن في مفترق الطرق و عليك الإختيار، الي أي معسكر سننتمي ، الحرب يا صديقي على الأبواب و أنت لا يمكنك أن تكون محايدا وسط كل هذا الخراب .

صفوان الطرابلسي 
ضد السلطة في 2012/01/05

vendredi 4 janvier 2013

أينما توجد السلطة تكون المقاومـة

تضرب مَــصطفى بن جعفر و المرزوڨي بالحجر.. تشّجع الانتصاب الفوضوي و ما تشري كان من نصبة جِلمي  في باب بحر. تكتب عالحيوط و ماتعترفش بالممنوع.. تصوّر فيديو ضدّ الفقر و الجوع. في مظاهرة تعرّڨها للبوليس.. تكتب نصّ تفضح فيه حمّادي الخسيس..
كلّها أشكال مقاومة، فليس هناك بالعلاقة مع السلطة موقعا واحدا للرفض الكبير ـ روح العصيان مركز لكلّ التمردات و القانون الخالص للثوري ـ و إنّما هناك مقاومات (جمع مقاومة) و هي حالات إستعجالية ضروريّة غير محتملة تلقائيّة متوحّشة منعزلة مدبّرة زاحفة عنيفة غير قابلة للتصالح.
نسكت.. و الشعر يصرخ:
لا تصالح على الدم.. حتى بدم! / لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ / أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟ / أقلب الغريب كقلب أخيك؟! / أعيناه عينا أخيك؟!
"سعيد ولعة" ما نعرفش علاش ينادولو "ولعة" على خاطر خدم قهواجي اختصاص شيشة و إلّا لأنّه شعلة نشاط.. مايركحش! أينما كانت مظاهرة أو اعتصام يكون "سعيد ولعة" موجودا، منذ احداث الحوض المنجمي و """""""""ولعة" ما ركحش.. لم ينتمي يوما لحزب أو جمعية، يؤمن بأشياء ثلاث: حبّ الوطن و حبّ التدوين و كره البوليس.
كان "ولعة" يكره الصمت و الوحدة.. كان "ولعة" يحبّ لافيني و بار بوعبانة و جريدة لوموند و منوّر صمادح و بوكفسكي و الشيخ إمام و المرأة الجميلة..
كان "ولعة" يردّد كلّ ربيع: يسألونك عن الوطن قل إنّها تونس.. إنّها تونس التّي تحمّلت الجميع، جلّادين و حالمين !
كان "ولعة" يكره البؤس و اليأس، حاضر البديهة كثير النكتة..
كان "ولعة" يُقبل على أصدقائه بشوشا طرِبا "آه يا سهر اللّيالى آه يا حلو على بالى غنّي آه غنّي آه غنّي عالطرقات" ، كان يقبل عليهم ضاحكا و يتركهم باكيا بعد أن توقظ الصفراء فيه ربّة الشعر "وكلّ يوم في حبّك تزيد الممنوعات.. وكل يوم بحبك أكتر من اللّي فات".
كان "ولعة" حفّاظا للشعر حميما عطوفا، يكره النقود.. فائرا بالثورة، متيقنا أنّ "الأنا لا تضع أو تثبت نفسها إلا حين تقاوم" كما يقول فيلسوف المقاومة "فيختة".
على رأي "المرشد" هو يساري فوضوي.. آخر مرّة رأيته كان في 7 أفريل 2012، تحرّك المعطّلين في الساحة الحمراء، ساحة محَمِّد علي الحّامي.. في الامبولونس (سيّارة الاسعاف) على بعضنا في اتّجاه مستشفى الحبيب ثامر يضرخ "ولعة" :
« عندما ترفض إزدواجيّة الإسلاميّين تصبح عميلا للفرنكفونيّة و عندما ترفض إندفاع الشّيوعيّين تصبح مساندا للإمبرياليّة، أمّا عندما تعبّر عن مقتك لإنهزاميّة الوسطيّة فأنت متطرّف.. كأنّ لا حقّ لك في تفكير يخصّك أو أن تنتمي فقط لنفسك او لجموع الجماهير بدون إسم. وعندما تستعيض عن الألم بالسّخريّة، فأنت قليل الأدب.. و عندما تطرح الأسئلة و تمنح نفسك حقّ الشّكّ فأنت بالضّرورة موال لذاك أو ذاك!! .«
أوّل مرّة نشوفو في حالة يأس مماثلة.. بعدها اختفى "سعيد" ! ناس تقول حرق و ناس تقول يعيش الترحال في احدى الجبال و فمّا شكون يقول انتحر..

ما نعرفش علاش اللّيلة نفكّر في "سعيد ولعة" برشة ربّما لأنّ أوّل يوم من "جانفي القدّيس" يأتيني بوصاياه:
« تونس عجوز شابّة وتلك ميزة رائعة.. هذا معناه أنّ خميرة المقاومة/الحكمة ترسخ هناك في أعماقها، في مائدة يوغرطة و ڨمح باجة و الحلفاء اللّي بريحة الفسفاط وفي وشمة على زناد زبراط..».
إيـــه أين أنت يا "ولعة" ‼ فالبحث عن الحلول والبدائل تسبّب في اعياء الجميع بل ارتدّ في هجمات يأس متكرّرة.. والفقر أصاب الناس بالذهول.. وعصا البوليس مازالت تسلب الكرامة والأمل من المواطنين.. و الفساد السياسي وصل إلى حدّ العفن.. فمتى يا "ولعة" تستيقظ "مدينة الموتى" متى تفيق على صدى صرخة أطفال الحزن الذين دفنتهم..

رحمة البلدي 

jeudi 3 janvier 2013

سنتان من الثورة ... أما بعد


هجم الليل بانيابه كي يمزق دفء المساء بصقيعه الذي يمنحك رغبة في التلاشي بين حبيبات الندى كي لا ينالك البرد.
ليس ببعيد عن الشرفة الدافئة و العشاء الفاخر الذي اقيم على شرف امراء النضال و الثوريين و احتفالا بثورة عبرت في صمت بين سطور التاريخ و ازقة المدينة الحالمة بين كثبان الفسفاط الرمادية و الحجارة المستوردة التي حملتها سواعد من هم تحت مرت بصمت كي تزيد في بوؤس العاصمة وشوارعها الواسعة التي تشعرك بالضيق يقبع ذاك المجهول الذي هو ليس سوى نموذجا أو قالبا جاهزا يستعمل في الخطابات و الحملات الانتخابية .
رداء ملطخ بالغائط و على الاجناب تكسوه الاتربة أسنانه شاهدة على عدد السنوات التي تبقت من عمره شعر اشعت مغبر و هو قابع بسكون تحت عمود النارة العمومي الذي يتأرجح ضوؤه بفعل البرد (في الواقع هو مصاب بعطب كحال البلاد )  في ذاك الشارع الخلفي الذي ألف  قصص العشق المحرم المحنى بالدم و صرخات النشوة و قطرات المني التي توشم كل ليلة اسم فحل الأمسية و الشاهد على صمت الجوعى القاتل و جنون المتشردين و نباح رجال الشرطة (الشرفاء منهم و الفاسدين)و احاديث الكلاب السائبة و رقصات السكارى كي يعيد كل ليلة اعادة صياغة قصص أمجاد 'زوس' و جنون 'زوربا' و هدوء البحار السبع بين قبضتي سندباد بحري و رعشات قلم منتشي بين أنامل 'بوكوفسكي' تصف سكره او بغيا مرت امام شباك سرواله تداعب ستاره و ما وراء الستار احيانا.
يستل 'مجهولنا' سيجارة ينفث فيها اللعنات و يبصق على الأرض كانما به يطرح آلهة بكونين ارضا فيسقطها بعد أن عجز نظيره عن ذلك اليوم عيد الثورة الثاني كانما تغيرت حاله او حال امثاله بل بالعكس حاله صارت اسوء فحرب الحياة مع العبد اسهل منها مع العبد و صانع العبد و هيأة الدفاع عنه ..لهم عشاؤهم الفاخر لهم النزل الفخمة لهم المنتديات و الشراب الفاخر أما هو فله الغضب و مزيد الغضب عله يحوله يوما الى فعل في الأثناء من الأفضل أن يبحث له عن حجر يلهو به حتى 'يقتل الوقت' قبل أن يقتله عدم تقدم الوقت فهو على تلك الشاكلة منذ ...لا يهم منذ كم من الوقت ...و لا يهم ايضا كل الحديث السابق و لا الثورات (ان كانت ثمة ثورات اصلا) بالنسبة له هو المهم ان يجد حجرا يلهو به ...يواصل بحثه ثم يتراجع كأنه مل الفكرة او لعله فكر في اقتلاع احدى خصيتيه بينما كام يحكهما محاولا اغواء احدى المارات بارتذال يعتبره هو عفوية كما يعتبر ببساطة ان الثورات و الحديث عنها ليس سوى "لعب صغار" فالمشكل كل المشكل هو البوليس قبيح الشكل في بذلته الكريهة و بوقفته الشاذة بينما يلوك سيجارة بين شفتيه او يسوي قبعته ...المشكل هو ان رجل الامن شاذ ... وهو ليس وصفا فحسب بل هم فعلا شواذ او لعلهم لا يحتملون وجود فجوة الا و ملؤوها
لعله مرض لكن المجهول لا يفقه في الطب و لا علم النفس و لا الدين و لا الفلسفة و لا التاريخ و لا العلوم و لا الشعر و الادب هو صنيعة الارض المتجردة من كل العلوم صقلته الشوارع الخلفية و علمته كيف يقتلع لقمة العيش من فاه الاثرياء او حتى من جيوبهم و  متاعهم علمته ان الجنس يأتي قبل الأكل أحيانا و ان الكرامة تأتي قبل كل الأشياء و أن الانظمة هي ذاتها تتكون من ثلاث عصى بوليس محكمة فسجن هو نشاة الأحياء الشعبية القابعة في المناطق التي يعجز البعض عن تهجئة اسمها قادم من الارض المبسوطة الممدودة امتداد البصر هو تركيبة غير متجانسة من المكر و الحدة و العطف و الحب و الكره هو وعاء احتوى كل التناقضات لا يحتمل خطابات مسقطة من فاه محشو بالكافيار يحدثه عنه هو عن كيف يجب عليه ان يعيش محاولا تغيير نمط حياته حسب ما يشتهيه هذا الغبي المحوط بقطيع خرافه المرتلة المرددة لكلمات القائد الرفيق ..هو غير قادر على استيعاب كلمات أحمق اشبه بالشاة تتدلى لحيته بين خصيته يأمره و ينهيه كانه العالم العليم 'بيد ان كلامه اكثر واقعية (مادام متبوعا باسم الله) من كلام الرفيق ...
'آه يدهم كلها تحشي فيه'
كي يعود الصمت من جديد في الشارع ويتواصل الاحتفال بالثورة على الشرفة فوق راس المجهول ...بغي سكران و سلفي مروا تباعا أمام المجهول يتمتم ' اللي يفهم هذا الشعب ينيكني' ثم تحرك مطاردا البغي عله يظفر بمداعبة مجانية.

خلدون باجي عكاز
نشر في جريدة ضد السلطة 29/12/2012

mardi 1 janvier 2013

المشانق تنصب أيضا للأقلام



إنتبه! إذا كنت عربيا فحاذر من "الرقيب"، إرفع من 
صورك الكاركاتورية أو من مقالاتك أو من شعرك كل ما يمسّ الرئيس أو جحافل السلطة و أذنابها!
و إن كنت مُصرًّا على كلّ ما يحمله عملك الفنّي من إلتزام بقضايا الأمّة، عانق أفراد عائلتك و أكتب وصيتك و انتظر البوليس صباحاً قرب الباب !!
" جسّ الطبيب خافقي وقال لي: هل هنا الألم ؟؟
قلت له: نعم
فشقّ بالمشرط جيب معطفي واخرج القلم !!
هز الطبيب رأسه.. ومال وأبتسم
وقال لي: ليس سوى قلم
فقلت: لا يا سيدي
هذا يد.. وفم
ورصاصة.. ودم
وتهمة سافرة.. تمشي بلا قدم ! "
"الرقيب" يزعجه ما تصدح به حنجرة المغنّي و ما تنطق به ريشة الرسّام و ما يكتب الشاعر حين يفضحهم مدافعا عن الكادح المستضعف.. متحدّيا السلطة المستبدّة و الحكومة القمعيّة التّي تسعى أن تجعل منه (المبدع) مضخّم صوتٍ لها و خادما يحوّل الأنظار عن الداء بٱبتكار روجيستر التعتيم و الإيهام و التبندير.
و لأنّه لا يوجد ما هو أصدق من الفنّ للكشف عن أعماق النفس والإنخراط في الوعي بالقضية و المساهمة في ثورة الانسان، و لأنّ "للكلمة و الخط المرسوم وقع أقوى من طلقات الرصاص، يجد "الرقيب" نفسه مضطرا لصنع سيناريوهات من شأنها أن تفرض وصايةً على حريّة الفكر و الابداع.

يبدأ السيناريو رقم1 : استربتيز
يُختزل عمل سينمائي أو مسرحي في لقطة إباحية من خلال مانشيتات صحافة المجاري، فتنشر عناوين من قبل "فلانة تتعرّى" و "أثارت المشاهد المتدنية سخط المنسحبين من العرض، لما فيها من خدشٍ للحياء".. هكذا إذن يصبح العمل عرضا "للستريبتيز" حسب تلك الجرائد الصفراء بإشراف "الرقيب"، فننتقل من الحديث الفنّي إلى المنطق الأخلاقوي الشعبوي الذّي يجعل البعض حرّاسا على الأخلاق، ينصبّون أنفسهم مسؤولين عن القيم.

السيناريو رقم2: فتاوى تيك آوي
يلجأ الرقيب إلى شيوخ البيترودولار وتصبح "فتاوى" التكفير وإهدار الدم شبحا يلاحق الفن والإبداع.. فلتخريب تحت راية نصرة الدين هو الأسهل كما يكتسي هالة من الشرعيّة ، فكل ما يغلّف بمسحة دينيّة يجد الطريق معبدا إلي قلوب الجماهير.
" لماذا اغتلت فرج فودة ؟
القاتل : لأنه كافر.
ومن أيّ كتبه عرفت أنه كافر ؟
القاتل : أنا لم أقرأ كتبه.
كيف ؟
القاتل :أنا لا أقرأ ولا أكتب"
أمّا في تونس الثورة فالرقابة تمرّ عبر ديكتاتورية الذوق السليم و تجريم المسّ بالمقدسات الذّي اعتبرها مصطلحات غامضة لجريمة افتراضية وايديولوجية من عصر محاكم التفتيش، يُقصد بها ترهيب المبدعين ومنع النقد والفكر الحرّ والبحث والابداع.. الأمر الذّي يتطلب منّا جميعاً وقفة تاريخية للتصدّي لهم، فهم لا شكّ لديهم أجندة فنيّة وسوف يُنتجون أعمالا تُعبّر عن قناعاتهم الفكرية وسوف ينشؤون شركات إنتاج لديها فكر تريد له الانتشار كما هي جمعياتهم و رابطاتهم.
الفنّ وُجد ليبقى.. ليذهب دعاة الظلام إلى الجحيم و ليصرخ فيهم درويش:

"ماذا يثير الناس لو سرنا على ضوء النهار
و حملت عنك حقيبة اليد و المظلة
و أخذت ثغرك عند زاوية الجدار
و قطفت قبلة ؟"
سنقاوم ونقاوم ونقاوم لأجل الفنّ/الحياة.
رحمة البلدي