lundi 24 décembre 2012

الشاعر و الشيخ المنتفخ





لم يكن من طباع أبي الانفعال المفاجئ ، و لكنه لم يستطع أن يتمالك نفسه حين سمع الخبر ، رمى الحاسوب بشكل مفاجئ على الأريكة و سحب سيجارة من علبتي التي كانت في معطفي المسدل إلى جانبه . جميع من في الغرفة استغرب ذلك ، إذ كان قد هجر التدخين منذ زمن ، جذب الدخان بعنف و زفر زفرة طويلة و قاسية ، نظر إليّ نظرة  حرّكت داخلي الشك ، ثم أشاح  بوجهه ليداري دمعة قبل نزولها .

حملت الحاسوب ، قرأت الخبر باحتراز ، " الحكم على الشاعر القطري محمد العجمي بالسجن المؤبد ..." ، قد لا يعني هذا للكثيرين شيئا و لكنه لوالدي قد يعني توقف الزمن . كنت أعرف حبه للشعر و حلم شبابه بأن يكون شاعرا . كان يعتبر أن الشعر صرخة الروح لتفجير الألم المكبوت داخلها ، كان الشاعر في قاموسه  ضمير الأمة حين تموت داخلنا الضّمائر.
نظر إليّ بحزن بالغ لم أره في عينيه منذ زمن ، منذ إعدام صدّام يوم عيد الاضحى على ما أذكر ، ربّت على كتفي ثم خرجت الكلمات ثقيلة من فمه : " لا ترخي العنان لقلمك ، ها قد بدؤوا باصطياد ضمائرنا ، و شعب بدون شعر شعب مهزوم كما تعلم ، هذه الأرض يا بني أرض الشعراء ، لقحت بالكلمات منذ الأزل ، هذه الأرض بكاها درويش علنا ذات مساء  و تساءل كيف يشفى من حبها ، هذه الأرض أتاها نزار عاشقا من دمشق و تعلّم بين يديها أصول العشق  ، هذه الأرض سيعيش لأجلها محمد ما تبقى من سنينه في سرداب ، ويذوق صنوف العذاب . و ان حبسوا ابن الذئب ، فالذئب نفس لا يزال خارج القضبان   و سنتحوّل جميعا  إلى  ذئاب ، ننهش من  لحم مغتصبه و مغتصبنا ، نشرب من دمه و نغسّله به ، عار علينا إن لم ننتقم و تركنا ثأرنا يضيع كالسراب  . علينا أن نذكر دائما أن هذا النبي  رفع قهره  قائلا "كلنا تونس"  فهل تعي يا بني ماذا تعني هذه الكلمات ، لقد تبرّأ من ملوك الجهل هؤلاء و نسب نفسه إلينا طامعا في نور ثورتنا  فحاذر أن يخيب أمل الشعراء إذ تصيبنا بعد الخيبة لعنتهم  و تذكّر أن شعبا دون شعر شعب مهزوم ."
ألقى عليّ تلك الكلمات بتأثير مسرحي كان يرتجله في تلك الحالات الصعبة ، أنا أيضا اختطفت دمعة قبل نزولها ، تذكرت صورة لشاب إسباني أو يوناني ، كان يرفع علم تونس أمام البرلمان وسط حشود غاضبة تهتف من أجل التحرر و من الحق في حياة سعيدة ، ثم كيف انطلق البوليس في تفريق المظاهرة بوحشية مرعبة . كان المصور قد التقط عدت صور للشاب و هو تحت أقدام البوليس ، يرفسونه و يضربونه لكنه رغم ذلك بقي متشبثا بالعلم كمن يتشبث بآخر رمق في الحياة .
كل هذا جعلني أشعر بالخجل و بالتقصير ، الكثيرون استلهموا و لازالوا يستلهمون من ثورتنا زادهم للنضال ، بينما نحن نقف قوّادين أما غرفتها ، نستقبل كل زناة الليل و نتاجر بشرفها علنا ، لا نقدر حجم المسؤولية التي على أكتافنا ، لا نقدر حجم الأمل الذي بعثناه للعالم حين كسرنا النبوءة التي جزمت بأن الثورة الإيرانية هي آخر الثورات و توجنا هذا القرن بثورة وقف لجلالها  كل أحرار العالم . لذلك حين تنتمي لهذه الأرض التي لقحها الشعر ، تذكر أن كل قضايا المظلومين في العالم قضيّتك ، تذكر أنك لا تحيا لنفسك فخلفك أحلام آلف البشر ، تذكر أنك حين تحرر نفسك تحرر من خلالك العالم بأسره و أنه ليس لك الحق أن تتوقف في منتصف الطريق. 


صفوان الطرابلسي
ضد السلطة 22/12/2012



dimanche 23 décembre 2012

J’ai fait un rêve.


J’ai fait un rêve.
J’ai rêvé que j’étais dans un monde où l’argent fait foi et loi. Où la justice est passée d’impuissante à insouciante. Où les criminels sont des héros et les victimes « quelques morts ». Où les médias sont bien moins avides de sens que de sang. Où la célébrité est synonyme d’apogée mais surtout de facticité. Où l’on peut passer des heures à regarder une dizaine de personnes volontairement enfermées pour une émission de télévision et refuser d’accorder le moindre regard au sans abri du coin de la rue. Où le bonheur et l’amour sont dans le pré mais la pauvreté et la colère aussi. Où des histoires d’adultère, de sms ou de twit occupent largement plus les médias que des attentats. Où un meurtre est un « fait divers » qui signifie « vente ». Où des médicaments factices guérissent des malades imaginaires mais créent un déficit réel. Où l’on étudie longtemps pour travailler longtemps pour avoir une retraite pauvre, courte et malade. Où entre douceur et douleur il n’y a que l’espace d’une consonne. Où les enfants sont nourris à la violence. Où un regard est une sentence de mort. Où société rime avec lâcheté. Où le verbe « communiquer » est remplacé par « connecter ». Où l’on sait que l’on détruit la planète mais que l’on s’en fiche parce que NOUS ne serons plus là quand ça arrivera. Où la banquise fond comme morale sous capitalisme. Où tout va vite, très vite, surtout la chute.
J’ai fait un rêve ?
Non.
J’ai fait un cauchemar.
                                                                                                                  
                                                                                                                " Amai  Yuki " 

jeudi 20 décembre 2012

زوّالي و فحل



صڨعة.. البرد ينخر العظام، نجري نحبّ نروّح ندفّى.. عملت قصَّة، نقصّر في الثنية.. النهج ظلام (في الحوم الشعبية حتّى امبوبة الحاكم محرومين منها)، نمشي بالخطوة السريعة علّني نَدْفى شويّ، فجأة يوقّفني صوت طايب من الدزيري
"حبّس ثَـــــمّْ"
 وقفت كي النّاس الملاح.. اكيد بش ناقف ماعنديش شْوا آخر (بديل).. ..ماني نرى كان في الجهامة (ضخم الجثّة).. عينيه و البطرة (سكينة الذبيحة) تلمع بين يديه
"وي تفضّل"
 "ضحك باستهزاء "مترَبّية زادة.. هات اللي عندك ما غير حسّ
هههههههههههع" المرّة هذه من حقّي انا نضحك و بكل ما أوتيت من جهد و قوّة"
 كرّز السيّد و خطفلي ساكي.. فرتو ما لقى شي ذو قيمة، سبقتو: "عندي تليفون من غير الوان" مدّتيتو من جيب سروالي "تستحقّو ؟ عندي زادة طرف صرف.. ستنّىجبدت اكا الصرفات.. نحسب وهو باهت فيّا "3420 فرنك.. شدّ هاي الكسيبة
"اعطيني ساكي يرحم ابيّك خليني نروّح"
"آش مجيّبك من هالنهج الظلام في الليل.. تي شبيك عاملة فيها بطل"
"جيعانة و بردانة.. نحبّ نشقّ منّا نوصل فيسع للدار"
"امشي ڨدامي نوصّلك لراس النهج"
آآآآه يا مرا آش بش يصير فيك!! لا تليفون باهي لا فلوس ! مافيك ما يتمصمص، خونا بش يسهر بيك الليلة.. بش يعملك كمية !! زعمة معاه صحابو ؟ فين بش يهزّني ؟ دار ولّا في الخلا ولّا فين.. آش بش يصير فيك
"تي تحرّكي ماعاش بكري عليك"
ماعندى حتّى حلّ كان انّي نتبّعو.. مشيت وراه و نلقى في حلول و نستخايل في شكون نعرفو متعدي و لّا رجل خارق يطير يمنّعني و إلّا بابا يمدّ يديه من السماء و يجبدنيمخّي تشوشت و انا باقي نمشي وراه
"فاش تعملي في حياتك""نقرا.. نقرا في الفاك"
"انا زادة عندي خويا يقرا في الفاك. بش يطلع محامي"
"شهقت .. " آشبيكي !! هو قرا على روحو.. انا خرجت من 9 اساسي.. المّيمة توفّات.. بيْ خذا مرا. تجبرت نتلهى بخويا.. ما نخليه ناقص شي"
"اي احكيلي كيفاش طاحت بيك و ولّيت هكّا"
"شنوّه" هكّا ؟؟؟"
" !هكّا معناها تشدّ في سكينة على مرا في وسط نهج ظلام"
ما غير ما نشعر و من رعشة صوتو فهمت اللي انا تسببتلو في وجيعة و اهانة.. نسيت اللي هو سارق و ماعاش خايفة منّو
"سامحني ما قصدتش.. شسمك ياخي"
"محمّد بوستة.. شوهيرا حمّة بو سيس.. ايّا هاني خرجتك عالكياس الكبير.. برّي ربّي ينجحك و ماعاش تجيبي من هنا"
علاش فيسع ما وصلنا.. الزحّ حبيت بوسيس يكمّل يحكيلي آش تعدّى على راسو
"هيّا عاد روّحي خلّيني نمشي نعمل كسكروت عيّاري تحت القنطرة"
"عظمة مروبة ؟ بنين !!؟
"ضحك.. رغم اللي ماهوش كبير برشة في العمر إلّا انو شطر فمّو طايح˸ "جيعانه؟"
"!!!علّخر"
"تي هاكي رطبة ! مثبتة تاكليه الكسكروت ! راو مسّخ
"اي! وعندي سيڨارو نبشطروه"
"ملاّ كعبة !! ايّا ڨدامي"
!! جابلنا  "بوسيس" زوز كسكروتات ملفوفين في جريدة الصريح.. و ڨازوزة. رجّلعلي 420 فرنك 

فمّي مبلحط بالهريسة ونحن من حكاية لحكاية، البطالة و الحرڨة و الحڨرة حتّى وصلنا للحاكم، فجأة صدمني بسؤال
" 12/12/2012 ياخي مشو اليوم هانا مازلنا حيّين نعانو.. وفي الخرى للعنكوش"
نسيتها أنا الحكاية متاع نهاية العالم، 
يواصل "بوسيس" في تحليل الوضع السياسي "بالسّـــيف نصدّقها الحكاية بعد اللي ضربتنا الكوليرا والجرب والجدري و الناموس قتل النّاس.. الرجّالة عمِت من الكرتوش و هاو شويّة آخر بش نغرقوا بالمطر.. جابوا الهمّ معاهم و ما تحبّيش الدنيا توفى اليوم


لا تبحثوا عن الخيال في الحقيقة.. لن أصوغ حكم." افهموا وحّدكم"، فمن مصائب هذا القرن أن ترى أهل النفاق و التسويف هم الصدر، وهم أهل الهمم والقمم وحماة الأوطان وحرّاس الأعراض، بينما مازال شباب الثورة يعانون البؤس الاجتماعي والتهميش الاقتصادي: واقع مؤسف في زمن الثورة! أنا ميل إلى الدم لذلك سأصمت و ليختم الماغوط

إنني أعد ملفا ضخما عن العذاب البشري 
لأرفعه إلى الله فور توقيعه بشفاه الجياع وأهداب المنتظرين.. 
ولكن يا أيها التعساء في كل مكان 
جُلَّ ما أخشاه أن يكون الله أميّا

رحمة البلدي

samedi 15 décembre 2012

شماته في موزة و حمد


كلنا تونس
 شعر محمد إبن الذيب العجمي
************************************
يـ الوزير الاوليّ يـآمحمد الغنوشي
لوحسبنـآ سلطتك مـآهيب دستوريّه


مـآبكينـآ بن عليّ ولآبكينـآعصرهـ
نعتبرهـآ لحظةٍ في العمر تـآريخيّه


دكتـآتورية نظـآم القمعواستبدآدهـ
أعلنت تونس عليه الثورهـ الشعبيّه


إن ذممنـآ مـآنذم الاحقير ووآطي
وإن مدحنـآ نمدح بـ قنـآعةٍ شخصيّه


اججت ثورهـ بـ دمّالشعب يـآثـآيرهـآ
وانحت امجآد الشعوب لكل نفسٍ حيّه


قلّهم في صوت [ من كفنـه تشلّه كفه ]
كلّ نصرٍ تستبقه احدآث مأسـآويه


آهـ عقبـآلالبلآد اللي جهل حـآكمهـآ
يحسبٍ ان العزّ في القوآت الامريكيه

وآهـ عقبـآل البـلآد اللي شعبهـآ جـآيع
والحكومه تفتخر في طفرةالمـآليه

وآهـ عقبـآل البـلآد اللي تنـآم موآطن
معك جنسيه وتصبحمـآمعك جنسيه


وآهـ عقبـآل النظـآم القمعي المتوآرث
لآ متى وانتو عبيدالنزعه الذآتيه ؟!!


ولآمتى والشعب مـآيدري بـ قيمة نفسه !
ذآ ينصّبذآ وأرآئه كلهـآ منسيه


ليه مـآيختـآر حـآكم في البلد يحكم له؟!
يتخلّص من نظـآم السلطه الجبريّه


[علّم اللي مرضيٍ نفسه ومزعل شعبه
بكرهـ يجلّس بدآله وآحد بـ كرسيّه ]


لآيحسب ان الوطن بـ اسمه وباسم عيـآله
الوطن للشعب وامجـآد الوطن شعبيّه


رددو والصوت وآحد للمصير الوآحد
كلنـآ تونس في وجه النخبه القمعيه

الحكومـآت العربيه ومن يحكمهــآ
كلّهم بلآ بلآ استثنـآءحرآميه


السؤآل اللي يؤرّق فكرة المتسـآئل
لن يجد اجـآبته من كلّ جههرسميّه


دآمهـآ تستورد من الغرب كلّ اشيـآهـآ
ليه مـآتستورد القـآنـوون والحريّه؟!!!!!

خمسة شهور ناقصين شوية


قداش عندك ما كتبتش ؟
4 شهور و نص ، 135 يوم ، 3240 ساعة ، 194000 دقيقة ، 11664000 ثانية

في 4 شهور و نص ، نطفة توللي عندها ايدين و رجلين ، بلا صوابع .
تنجم تسمع قلبها يدق و تنجم زادة تعرفها طفلة ولا طفل ،
وقتها عاد انجموا نعرفوا زادة نشروا الحرج متاع الملحفة و زينة البيت في الوردي ولا في الأزرق ، 
و نبدوا نخيروا في الأسامي ..

في 4 شهور و نص ، تنجم تخلق فيلم ، سيناريو و كاستينغ
و تنفخ روح في أوراق و تصاور و توللي دنيتك كاميرا و جنتك تورناج .
ووقتها عاد تخمم في الجينيريك و الموسيقى التصويرية و النقاد و أرتيكل في مجلة "فن و حرية" ..
في 4 شهور و نص تنجم تخلق فيلم و مبعد تقتلو 

في 4 شهور و نص ، تنبت وردة
زريعة طيشتها في عشوية خريف بحذا شجرة الرمان و نسيتها . ت
عمل عروق و توطن في أرضك ..
شفت كي نقلك راهو عمرك ما نهار تنجم تعرف أرضك شبر شبر ؟  و
مبعد ما تعمل عود و أوراق ، تبدا تخمم في لون الوردة و تقول يا ليتها تجي حمرة ،
عالأقل في عيد الحب مانشدش الصف .
شفت ماهو كي تحب تلونها قبل ما تتولد ؟
هذاكا علاش جاتك وردة حمرة ، آما بالشوك .

في 4 شهور و نص ، شعب فقير يولي أفقر.
هاج ، ماج ، صاح ، شاح ، غرق ، شرق ، بكى ، على شوارعو سها ،
قام لقى  السماء بلا لون و غرام الذهب بايطرة حليب .
وقتها عاد رجع بكى و كي قام  في الصباح دموعو نسى.
موش قلتلكم فقير ؟ آما مالحب .. موش من حاجة أخرى .

في 4 شهور و نص ، تنجم تعشق .
تبدا متكي على كرسي في قهوة مقابلة سينما ،
و الشارع ضيق و الفريكاساي ديما أرخص من تيكاي الفيلم ،
هذاكا علاش ديما حانوت الفريكاساي معبي  و حانوت الأفلام فارغ ،
خاطرو شعب فقير مالفلوس ، موش من حاجة أخرى .
وقتها عاد تبدا انت متكي ، وهي تتعدى
و تسمعها تحكي على آخر فيلم يحكي عالفسفاط ولا حاجة هكة 
تهز راسك تلقاها سمرة ، غنجة ، زعمة قفصية ؟

في 4 شهور و نص ، تتبنى دار جديدة في حومتك ،
وانت عندك خمسة شهور ما روحتش ،
الدار لونها أحمر . و تسمع جارك الشيوعي ينبر :
شفت ماهو كيفاش الرأسماليين المتعفنين يدهنوا في حيوطهم بلون الثورة ؟
ملا سكيزوفرينية .
و تبدا انت شايخ و موش مقلقتك الحكاية  خاطر الأحمر متاعك اسمو ماجنتا .

في 4 شهور و نص ،  سمعت اننو صارت تحسينات تشويهية للبار الثوري بالعاصمة ،
و كل يوم يجيك واحد يقلك ، شفت ماهو كيفاه ولى ؟ ملا ذائقة متردية .
و تبدا انت تتخيل فيه كيفاش ولا آما ديما متأكد اننو عمرو ما يوللي أفظع من روادو .
ووقتها عاد ، تحب تتلفتلهم و تقلهم ،
صحوة الخدامة و الخماسة ستسكركم دون خمرة و دون رجعة

في 4 شهور و نص ، شعرك يطوال . يوللي يتشد ،
و توللي تلوج في شكال ولا بانس فماش ما يتلم .
و يتكسر الشكال و تخزر لروحك في المراية :  هكة خير .
ووقتها عاد تتأكد اننو عمرك ما تنجم تصبغ شعرك ،
خاطرو لونو ليلي و انت عينيك ليلي .

في 4 شهور و نص ، تحفظ شوارع جدد و زناقي كل وحدة تهز لأختها .
و بعد 4 شهور و نص مازلت مانجمتش تفهم ، كيفاش القشابية تتباع بتيكاي
و كيفاش البرنوس مكتوب عليه تونس بالرومي و كيفاش الكسرة نوع واحد يابس
و كيفاش الحمام بخمسة دينارات و من غير سواك .

في 4 شهور و نص ، تتفرج في ياسر أفلام ، ت
ونسي على مغربي و دزيري (مانفرقهمش مليح اللهجات) و
توللي المونديال أقربلك من بيتك (4 ميترو على 5)
و المرا اللي تبيع في التيكيات تقللك : ياخي ما عندك تعمل ديما تتفرج في التصاور ؟
و بعد برشة أفلام ، تبدا تفهم اننو البره فيلم بلاش جينيريك .

في 4 شهور و نص ، 99 بيان و ما يقل عنهما بقليل مسيرات
و أكثر منهم بشوية اضرابات جوع ،
من غير ما نحكي عالاضرابات الملغية و المعلقة و المنفذة و الناجحة و
الفاشلة و البين بين ،
و شوية مؤتمرات و اجتماعات شعبية و أخرى نخبوية (؟
) و الحصيلة : الشعب يصاب بالعمى ،
عمى الألوان موش حاجة أخرى .

في 4 شهور و نص ،   كتبت على اربعة شهور و نص
 و طيشت الاوراق في المحطة

                          
    مريم  الرّابحي                       

vendredi 14 décembre 2012

مذكرات الخميس الأسود


كان واقفا أمام المرآة ، يتفحّص ملامحه في هدوء و يحاول التلذذ بحالة الخدر الخفيف التي تجتاحه . كان يطالع علامات الترقب الممزوجة بالخوف ويمرر يده فوق التجاعيد التي رسمتها الأيام على محيّاه قبل الأوان. فتح الصنبور ، مرر يده تحت المياه الباردة ، أحس بقشعريرة لذيذة تجتاح جسده المنهك من حمى الانتظار ، تخيل حبيبته و هي تداعب أنامله و تصل إلى قمّة النشوة من القبلة الأولى ، تخيل أنفاسها التي تحرق رئتيه و تذيب قلبه . لا يعرف أي شيطان قذف بذكراها إلى ذهنه اليوم ، ربما الشوق و ربما لأنه يمني النفس بأن يكون اليوم  آخر أيام هذا الكابوس الذي يخيم على الوطن و يخنق أحلامه ، ربما يكون اليوم آخر أيّام النضال ليتفرّغ فيما بعد لحبها ، ليتفرّغ لممارسة الحياة و لكتابة الاغنيات.انساب مع الخيال بعض الشيء ، لكنه تفطن أن الوقت مازال مبكرا على هذه الأحلام الوردية ، و لكي يسترجع نفسه مرر رأسه تحت المياه الباردة و سلم مهجته لتدفقها ، عندها فقط أحس أن الدماء عادت إلى جريانها من جديد ، نظر إلى المرآة مرّة أخرى ، مسح قطرات الماء عن وجهه ، وضع بعض "الجال " على شعره ، صففه بعناية و كأنه يستعد للذهاب إلى حفل ، توجه إلى الغرفة ، ارتدى سترته السوداء ، وضع الكوفية الفلسطينية على كتف ، حمل قناع "فونديتا" في يده اليمنى و آلة التصوير في يده اليسرى ، نزل إلى المطبخ ، حمل قطعة خبز مع بعض الجبن على عجل ، قبّل جبين أمّة ، توقف برهة أمام صورة أبيه ، أغلق الباب وراءه و انطلق في سيره المحموم نحو بطحاء محمد علي .  هكذا بدأ يوم جهاد ، سيرا على الأقدام من الحومة إلى البطحاء ، حاملا في جعبته القليل من الأمل و الكثير من الشك و الخوف . في الضفة الاخرى من المدينة ، حيث يخيم الهدوء و يبدأ النهار دون عناء ، كان وزير الداخلية ، سيّد البوليس الأول ، "علي الطويّل" يقف أمام مرآته بثقة ، مطمئن البال ، يعدل ربطة عنقه في زهو ، يرتب خصلات شعره و يرش عطره الفاخر . نزل إلى بهو المنزل ، فتح له الحرّاس باب السيّارة ، صعد بتأن مبالغ فيه ، وجد الجرائد على المقعد ، أخذ يطالعها بشكل روتيني ، يتفحص العناوين في ضجر بينما ينطلق الموكب تاركا وراءه الحي غاطا في سباته المعهود . لم يكن هناك شيء ينبؤ بالعاصفة سوى هذا الهدوء الغادر و بعض الشعارات التي رسمت على الجدران ، طبعا نظرا لانشغاله الكبير لم يعرها السيد الوزير انتباها ، مجرّد خزعبلات صبيانية لم يحن الوقت بعد لإدراجها في حساباته . كل الطرقات كانت مقفرة ، لذلك وصل الموكب بسرعة الى الوزارة ، هذا أيضا لم يدخل في حساب الوزير . إضراب عام ؟؟ و ما الإشكال ، دعهم يصرخون و يتظاهرون كما يشاءون ، الكلاب تعوي و القافلة تسير ، الكلمة الفصل في النهاية ستكون من نصيبه ، هو من يملك سلطة السلاح و المال ، الغاز المسيل للدموع ، الرش و الرصاص الحي  في أقصى الأحوال سيفي بالغرض و سيرغمهم على العودة الى جحورهم و ستتكفل المليشيات والعصابات فيما بعد بإتمام المهمّة . نزل من سيّارته في بهو الوزارة ، نفض الغبار عن سترته في حركة روتينيّة ، تفحّص الجو العام ، هدوء تام ، فرق البوليس تحيط المكان و تأمنه من الخلف و من الأمام ، لا شيء يدعو للقلق ، الآن يمكنه الاتصال بالشيخ و تطمينه ، الوضع تحت السيطرة . سحب هاتفه النقال ، اتصل و لكن الهاتف خارج الخدمة ، لا بأس سيعاود الاتصال فيما بعد . صعد إلى مكتبه مباشرة ، وجد مستشاره الإعلامي و الناطق الرسمي باسم الوزارة ، السيّد "خالد بلعوط" في انتظاره و في جعبته كل الأخبار ، لم يناقشه طويلا و يكثر من التعليمات ، فهذا السيد محترف في فن الكذب و المغالطات و لا يستحق التوجيه ، تصريحاته و تدخلاته تم تحضيرها منذ البارحة ، كل الأمور مدروسة سلفا ، كل الافتراضات تم صياغتها و تحضير خطة لرد الفعل نحوها ، كل شيء تحت السيطرة . خرج المستشار حاول الوزير الإيصال بالشيخ مرّة أخرى ، دون جدوى الهاتف خارج الخدمة .في الضفة الأخرى كانت الحرارة ترتفع رويدا رويدا ، الجماهير بدأت تتوافد ، البطحاء صارت تضيق بمرتاديها الذين يتسرّبون من كل الأزقة تحت نظرات البوليس الحاقدة ، الشعارات ازدادت حدّة و انطلقت المشاحنات بين الصفوف الأمامية و طوق الأمن . في هذا الخضم كان جهاد يرتدي القناع و يتنقل من مكان إلى آخر يعاين الأوضاع ، يلتقط بعض الصور و يهيئ نفسه للصراع ، هذا اليوم لن يمر دون عناء ، هذا اليوم لن يمر دون دماء ، كل المؤشرات تنبؤ بهذا . لا مفر من الصّدام ، هذا البلد وصل إلى عنق الزجاجة ، الطريق أمامه مسدود و عليه أن يزيح عقبة الظلام التي أمامه ، للأسف ليس هنالك من مفر، فترى من سيكون اليوم ضحيّة القدر ؟تواصلت المشاحنات بعض الوقت و حين وصلت إلى ذروتها و امتلأت البطحاء على آخرها ، قرر المتظاهرون الذهاب إلى شارع الحبيب برقيبة و تصعيد التحدي إلى أقصاه ، حاول طوق الأمن منعهم ، لكنهم في كل محاولة كانوا يستفزون عزائمهم و يؤججون نار العناد داخلهم ،فترفع الشعارات و ترتفع صور أجدادهم العظام و تهتف الجماهير بإسقاط النظام . فجأة فتح الطوق الأمني و سمح للمسيرة بالمرور إلى الشارع الرئيسي ، كان الأمر غريبا بعض الشيء ، الجميع توجّس من الأمر ، لكن ليس هنالك من مفر و الوجهة وزارة الداخلية ، انطلقت الجموع أفواجا أفواجا تحتل الشوارع و الأزقة ، الخلفية منها و الرئيسيّة و استقر المتظاهرون بالآلاف في شارع الحبيب برقيبة يهتفون بحياة الإتحاد و إسقاط الحكومة . عندها بدأ الجميع يلاحظ حركة غريبة في صفوف الأمن ، و لوحظ خروج بعض الوجوه الغريبة من الأزقة الجانبيّة ، إلى أن صعد أحد رجال البوليس مرتديا بذلته السوداء و نياشينه اللامعة تبرق فوق كتف و أمر المتظاهرين بإخلاء المكان ، طبعا رفض الجميع و جهزوا أنفسهم للجزء التالي من المسلسل ، قوارير مياه غازية و رقاقات الليمون كانت الوسيلة الأنجع لتخفيف تأثير الغاز ، أما الشباب فقد ارتدوا أقنعتهم و تشبثوا بأسلحتهم ، ففي هذا الوطن لا تنتهي التحرّكات سلميّة كما بدأت ، ووحشية البوليس لا تجابه برمي الورود.طبعا ما إن اتهى الضابط من التهديد حتى انتقل الأعوان لتنفيذ الوعيد ، ليكتشف المتظاهرون أنهم لن يواجهوا اليوم عدوهم الكلاسيكي فقط ، فبينهم كان العديد من المندسين ، ما إن تلقوا الإشارة حتى انتشروا داعمين للبوليس ، منكلين بكل من كانوا مضربين. ولكن هذه المرّة لن تسلم الجرة ، فالشباب كانوا مستعدين ، و هم عازمون على الثأر ، و  الوصول إلى مبتغاهم ، الثورة تشتعل من جديد . " للظالم يوم و للمظلوم يومان " ، "لا تصالح ولو منحوك الذهب " ، هذا هو شعارهم ، عيون السليانية لم يغادرها الضوء من أجل لا شيء ، عرق البوزيديّة و أولاد المناجم ، تلك الدماء التي سالت في البطحاء ، دماء الجرحى التي لم تجف و وصايا الشهداء كلها على عاتقهم دين و اليوم عليهم بالوفاء . انطلقت الثورة من جديد و كان جهاد رغم الخوف الذي يمزق قلبه سعيدا ، لم يكن خبيرا بفن المعارك ، لكنه رغم ذلك كان في الصفوف الأمامية ، يحمل آلة التصوير في يد و حجرا في اليد الأخرى ، كان منتشيا إلى ابعد الحدود ، بعض الخطوات و تتحقق الأحلام ، من هنا من ربوع هذا الوطن سيسقط النظام ، لم يكن يتصوّر أنه سيكون الرقم الرّابح قي دولاب القدر المرير ، لم يتصوّر أن الأوامر ستصدر بإطلاق الرصاص دون تحذير و دون مقدمات .تفرّقت الجموع و ابتعدت أصوات الرّفاق ، بينما كان جهاد جاثيا على ركبتيه و الموت يحدق في عينيه ، كانت الرّصاصة قد اخترقت قلبه مباشرة ، لكنه لم يسلم قبل أن يلتقط آخر صورة ، صورة قاتله الذي لاذ بالفرار ، توقف الجميع مع صوت أول رصاصة ، تراجع رجال البوليس و تقدم الرّفاق من جهاد ، حملوه على أذرعهم ، كان يلفظ أنفاسه الأخيرة ، لم يتحسّر على شيء ، فقط تذكر صورة حبيبته مرّة أخرى ، لا يعرف لماذا عادت صورتها إلى ذهنه من جديد ، تذكر لمستها ، قبلتها و انكمش قلبه عندما تخيل نزول دمعتها .سرى خبر استشهاد جهاد كالنار في الهشيم ، خرج أولاد الحوم الشعبية ، أولاد الحفيانة و العريانة و إلّي قلوبهم من الهم مليانة . نزل الرّجال و النساء ، نزل الغوغاء  و احتل الشباب الشوارع .اليوم لم يعد هناك مجال للنواح و البكاء ، إمّا النصر أو الفناء . انطلق العصيان ، و آن أوان الطوفان . في هذه الأثناء كان السيّد الوزير و مستشاره البلعوط يتحصّنان في وزارة الإرهاب ، كانا يجلسان خلف المكتب و يرتعدان لكل خبر ، الخروج من الوزارة و الهرب بات صعبا ، المواجهات في الخارج محتدمة و تأمين الطريق مستحيل ، في كل زقاق يوجد كمين ، و الأخبار تسري عن عصيان في صفوف الجيش و الأمن . الاتصالات تتهافت من كل مكان و الأخبار كثيرة و متضاربة ، الوزير يحاول الاتصال بالشيخ منذ ساعات لكن دون جدوى ، الرّعب يجتاحه من رأسه إلى أخمص قدميه و لكنّه مع ذلك يتظاهر بالصمود . مرّت ساعات على هذا الحال ، فجأة توقف إطلاق النار و سرى هدوء مريب ، ثم انطلق لغط في ممر المكتب و فتح الباب بشكل مفاجئ و عنيف ، دخل ضابطان من القوّات الخاصّة .-" سيّدي الوزير ، لقد انتهت اللعبة ، أنت رهن الاعتقال ، أرجو أن تأتي معنى دون شوشرة و أن لا تضطرّنا لاستعمال العنف " قال أحدهما بجفاء ، لقد حصل المحال و اختنقت الكلمات داخل حنجرة الوزير ، مسح حبّات العرق البارد التي تصببت من جبينه ، فتح فقل قميصه و مسّد رقبته ، أتى أحد الضباط و حمله من ذراعه ، لم يفكر حتى في المقاومة ، بينما اهتم الآخر بالمستشار ، نزلى إلى السيّارة تحت نظرات الأعوان المبهمة و الشامتة ، ركبا و الرعب ينتهكهما ، و إنطلق الموكب نحو القصر الرّئاسي ، لكن هذه المرّة كان يرى الشوارع في حلة مختلفة ، غادرها هدوء الرتابة المعهود و اشتعلت النيران في كل جانب ، وقف الرجال في كل زقاق ، و سالت الدماء على كل رصيف لترسم الحدود ، لا مجال للمرور دون مباركة الشعب .وصل الموكب القصر ، دخلوا البهو العظيم ، كان الجو جنائزيا ،  الجميع جالسين و في الحسرة منغمسين ، جنرالات نزعت عن أكتافها الشعارات و النياشين ، وزراء غادروا مقاعدهم الوثيرة و هم الآن أذلاء ، وحده الرئيس" زوكي " كان جالسا في ركن بعيد ، يلبس معطف النوم و يحتسي النبيذ ، حين رأى الوزير يتفحص الوجوه في فضول و كأنه يبحث عن إجابة ما فهم ما يدور في خلده و بادره مستهزئا :" لا تبحث عن الشيخ ، مؤكد أنه سيدعو لنا بالرحمة في صلاته ، لكن الله لن يستجيب لأن ضباب لندن كثيف و فيه يضل الدعاء الطريق """"""""''  ثم كرع ما تبقى من كأسه دفعة واحدة .

صفوان الطرابلسي                                                   

vendredi 7 décembre 2012

سليانة تحكي


"على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة ، على هذه الأرض ما يكفي من قمح و ماء كي يطيب العيش و من نسيمها  يستمد أهلها طيبتهم و يسعون إلى الحياة كلما استطاعوا إليها سبيلا . لكن رغم كل هذا العشق لطالما خذلهم الحظ  فمنذ أن أحرقت قرطاج و رش على ترابها الملح نفذت اللعنة إلى قلب الأرض و أقسمت أن لا يحكمنّها إلى الطغاة ، لعنة الرّومان تلك لازالت تلحقنا إلى اليوم ."
كانت هذه آخر الكلمات التي قرأها حسّان لكاتب مغمور على جدار صفحة مغمورة من صفحات الفايسبوك ، قبل أن يتفطّن أنه قد نسي الإضراب و موعد التجمّع أمام الولاية . ارتدى قميصه بسرعة ، حمل الكاميرا الرقميّة بيمناه و أشعل سيجارة في اليد اليسرى و انطلق إلى باحة الولاية .  كان يتقدّم في حماس و صوت الهتاف يستفزّه و يحثه على الإسراع في الخطى ، كان صراخ الحناجر يقتحم كل شوارع المدينة  ، يستفز كل البشر و يحرك داخل النفس ذلك الضمير المغيب و ذلك الإحساس بالواجب تجاه هذه الأرض . حين وصل الساحة كان الجميع متجمهرين أمام الولاية ، يتدافعون و يتزاحمون و يهتفون ، رافعين شعارات ضد الوالي و الحكومة و كل من يمتصّ دماءهم و يقامر برغيفهم و قوت أولادهم . كل المدينة كانت هناك ، كل فآت الشعب ، أساتذة ، معلمون ، أطبّاء و ممرضون ، عمال ، فلاحون ، حتى موظفو الولاية نفسها كانوا موجودين  أما الصدارة فكانت طبعا للمعطّلين . حين ترى وجوههم الكالحة و ملابسهم الرّثة ، حين تعاين ملامحهم الغاضبة و أصواتهم الملعلعة و هي تهتف بشعراتهم الخالدة و تتبادل مع رجال الشرطة قصفا من الكلمات النابية ، عندها فقط ستدرك مدى الحقد و القهر الذي يعشش في قلوبهم ، ستدرك مدى تعبهم و مدى استعدادهم للتضحية من أجل  حياة كريمة ، من أجل حياة كالحياة ، لقد ارهقهم الظلم و أتعبتهم سخرية القدر ، خصوصا عندما يخرج ذلك الشخص الذي يسمى نفسه وزيرا و يعلن على اكتشافاته الفذّة في علم الاجتماع و التنمية فتصبح البطالة في قاموسه إشكالا برجوازيا و  افضل طريقة لتشغيل الشباب المجاز  هي نفيه إلى الضيعات في موسم جني الزيتون .
وقف حسّان للحظات مأخوذا بالمشهد ، لكنّه سرعان ما تمالك نفسه و أخذ يبحث عن مكان مناسب يستقر فيه كي يتمكّن من تصوير الأحداث جيدا ، و بينما كان الفتى يجول بين المتظاهرين ، يأخذ بعض الشهادات و التصريحات و يصور بعض المواقف كان الوضع يميل شيئا في شيئا إلى الصدام ، بدأت الأجواء بالاحتقان و بدأت وطأة الشعارات تحتد و انطلق التدافع بين الصفوف الأمامية للمظاهرة و رجال البوليس . كان حسّان يصوّر كل هذا في تأثر و حماس بالغين ، رغم أنه لم يكن مطمئنا لأن الأجواء وصل بها التشنج إلى أقصاه و بدأت تنبئ بالانفلات ، و هذا كان واضحا من تغيير رجال البوليس لمراكزهم و شكل توزيعهم و قد لاحظ الشباب هذا فأخذوا هم أيضا يعدون العدّة للصدام .
الجميع مستعد و كلى الطرفين ينتظر الحدث القادح الذي لا نعرف من أين أتى ، أكان حجرا من شاب طائش أم فنبلة غاز من شرطي ، لا يهم كلها أسباب و النتيجة واحدة ،  تحوّلت شوارع سليانة  إلى ساحة صراع ، ضباب الغاز يغطي كل المكان ،  الجماهير تتراكض هنا وهناك ، و كتائب البوليس تنطلق كالضباع الجائعة لتنهش لحم كل من يخونه الحض و يقع فريسة بين ايديهم . كل هذا كان متوقعا و منتظرا لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن البوليس اليوم غير الخطّة ، لم يعد هدفه الاعتقال بل صار التنكيل خصوصا بعد أن وفرت لهم قطر ، البلد العربي الشقيق ما يلزم للقيام بالواجب ، غازات من نوعا جديد و مفاجأة الموسم : رصاص الرش الشهير ، لتكون الكارثة في اقصى تجلياتها .
  في كل هذا الخضم كان حسّان ينطلق ملثما من شارع إلى آخر ، حاملا سلاحه المعهود ، كاميرته الرقميّة يصور كعادته في كل تحرّك ما يعجز الصحفيّون عن تصويره  ، و تريد السلطة تغطيته من جرائم .  كان يصوّر الكر و الفر بين الشرطة و الشباب  ويحاول أن يقترب قدر المستطاع و أن يركز على وجوه جلاديه لكنه هذه المرّة لم يكن حذرا كالسابق فقد جرّه الحماس إلى الاقتراب أكثر من اللازم و كشف نفسه بشكل مباشر ، كان يحضّر الآلة للتصوير و قبل أن يرفعها إلى عينيه شعر بوهج من نار يخترق وجهه و صدره ، يذيب جلده و تنخر عظامه   . كانت صرخته عالية ، إلى درجة أن الهاربين في آخر الشارع  و القابعين في بيوتهم سمعوها بوضوح و ارتجفت لحدتها قلوبهم . عاد الجميع نحوه ، كثفوا الضغط على الشرطة حتى تراجعوا بينما حمل الشباب حسّان على أذرعهم . كان يصرخ و ينزف بشدّة لكن رغم الألم كان متشبثا بآلة التصوير كما يتشبث الإنسان بالرمق الأخير من الحياة ، ضل يمسكها حتى عندما أدخلوه إلى غرفة العمليات بالمستشفى الجهوي ، إصابته على المستوى العين كانت خطيرة لذلك اكتفوا بتضميد الجراح و إخراج ما أمكن من الرصاصات من صدره ووجهه ثم قرروا إرساله إلى مستشفى العيون بالعاصمة ، من حسن حظه أنه كان من أول المصابين الوافدين لذلك تمكن من الظفر بالحد الأدنى من العلاج ووجدوا سيارة إسعاف تنقله الى العاصمة .
مرّت الليلة عصيبة على أهل المدينة و لكنها لم  تكن الأخيرة لأن نيران  الثورة عادة إلى الحياة من جديد و قد انتشرت و انتشرت في الهشيم لتقلب عرش الطغاة في كامل أرجاء البلد ،  قد قرر الشعب هذه المرة أن يزحف نحو العاصمة و أن يحرر هذا الوطن من الطغيان و أن يفك لعنة الرّومان و أن يسير في سبيل الحياة . أما حسّان ذلك الفتى الشجاع فقد أفاق بعد ثلاثة ايّام ليجد أن أصدقاءه قاموا بنشر المقاطع التي صوّرها ، تلك اللقطات القصيرة التي عرضت في جميع القنوات و تناقلتها كل الصفحات ، كانت أول و أصدق شاهد على انطلاق ثورة البطون الخاوية ، ثورة المهمّشين المتشبّثين بالكرامة و حقهم في الحياة   . ملايين الناس شاهدوا تلك الصور و بكوا  ، كل أبناء هذا الوطن شاهدوها و تحرّكوا بعدها نصرة لإخوانهم و استكمالا لواجبهم و ثورتهم .  و حده حسّان من حرم لذة رؤية  ما صوّرته آلته الصغيرة ، وحده حرم من أن يرى و لو للمرّة الأخيرة وجه جلاده الذي حرمه البصر ، لا لينتقم منه و لكن ليحتقره و ليثبت له أنه كي نرى الحقيقة لسنا في حاجة إلى البصر بل إلى البصيرة و أن البصر لن ينفعنا عندما يموت الإنسان داخلنا  


صفوان الطرابلسي 
ضد السلطة 2012/12/06